صديق الحسيني القنوجي البخاري
122
فتح البيان في مقاصد القرآن
الشمس ، فخص بالذكر لكثرة مداخله . وقال قتادة والشعبي : إنما علم منطق الطير خاصة ، ولا يعترض ذلك بالنملة فإنها من جملة الطير ، وكثيرا ما تخرج لها أجنحة فتطير ، وكذلك كانت هذه النملة التي سمع سليمان كلامها وفهمه . أخرج أحمد في الزهد وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن أبي الصديق الناجي قال : خرج سليمان بن داود يستسقي بالناس ، فمر على نملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها إلى السماء ، وهي تقول : اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك ، فإما أن تسقينا ، وإما أن تهلكنا ، فقال سليمان : للناس ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم . وقد ذكر الخازن والنسفي في تفسيريهما منطق بعض الطيور ، وما تقوله القمري وغيرها ، وكذا القرطبي بلا إسناد صحيح متصل يعتمد عليه ، ويصار إليه فتركنا ذكره ههنا فإنه لا يأتي بكثير فائدة للمنقحين . وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ تدعو إليه الحاجة ، كالعلم والنبوة والحكمة والمال وتسخير الجن ، والإنس ، والطير ، والرياح ، والوحش ، والدواب ، وكل ما بين السماء والأرض . وجاء سليمان بنون العظمة ، والمراد نفسه بيانا لحاله من كونه مطاعا لا يخالف ، لا تكبرا وتعظيما لنفسه ، عن جعفر بن محمد قال : أعطي سليمان ملك مشارق الأرض ومغاربها ، فملك سليمان سبعمائة سنة وستة أشهر ، ملك أهل الدنيا كلهم ، وأعطي كل شيء . وفي زمانه صنعت الصنائع المعجبة ، حتى إذا أراد اللّه أن يقبضه أوحى إليه أن يستودع علم اللّه وحكمته أخاه ؛ وولد داود كانوا أربعمائة وثمانين رجلا ، أنبياء بلا رسالة . قال الذهبي : هذا باطل وقد رويت قصص في عظم ملك سليمان عن القرطبي وغيره لا تطيب النفس بذكر شيء منها ، فالإمساك عن ذكرها أولى . إِنَّ هذا أي ما تقدم ذكره من التعليم والإيتاء لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ أي الظاهر الواضح ، الذي لا يخفى على أحد . أو المظهر لفضيلتنا وإنما قال ذلك شكرا لا فخرا . وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ من الأماكن المختلفة في مسير له ، والحشر : الجمع ، أي : جمع له جنوده من هذه الأجناس . وقد أطال المفسرون في ذكر مقدار جنده ؛ وبالغ كثير منهم مبالغة تستبعدها العقول ، ولا تصح من جهة النقل ، ولو صحت لكان في القدرة الربانية ما هو أعظم من ذلك وأكثر . فَهُمْ يُوزَعُونَ أي : لكل طائفة منهم وزعة ترد أولهم على آخرهم فيقفون على مراتبهم . قيل : كان في جنوده وزراء وهم النقباء ، ترد أول العسكر على آخره ، لئلا يتقدموا في السير . يقال : وزعه يزعه وزعا : كفه ، فاتزع أي : انكفد وأوزعه بالشيء أغراه به ؛ واستوزعت اللّه شكره فأوزعني ، أي استلهمته فألهمني ، والوازع في الحرب