صديق الحسيني القنوجي البخاري

116

فتح البيان في مقاصد القرآن

وتكرمة له ، كما حيّ إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا : رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [ هود : 73 ] قاله القرطبي . وقال السدي : كان في النار ملائكة ، والنار هنا هي مجرد النور ، ولكنه ظن موسى أنها نار ، فلما وصل إليها وجدها نورا ، وعن الحسن ، وسعيد بن جبير : أن المراد بمن في النار هو اللّه سبحانه أي نوره أو قدرته وسلطانه . وقيل : بورك ما في النار من أمر اللّه سبحانه الذي جعلها على تلك الصفة . قال الواحدي : ومذهب المفسرين أن المراد بالنار هنا النور ، وعن ابن عباس قال : يعني تبارك وتعالى نفسه ، كان نور رب العالمين في الشجرة ومن حولها يعني الملائكة ؛ وعنه قال : كان اللّه في النور ، نودي من النور ومن حولها . قال الملائكة ، وعنه قال : ناداه اللّه وهو في النور وعنه قرىء بوركت النار ، وفي مصحف أبي بن كعب . بوركت النار أما النار فيزعمون أنها نور رب العالمين . وعن ابن عباس ، بورك قال : قدس ، وقيل : المراد - ( من ) غير العقلاء وهو النور والأمكنة التي حولها . وأخرج عبد بن حميد ، وابن ماجة ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي عن أبي موسى الأشعري قال : قام فينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : إن اللّه لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار ، وعمل النهار قبل الليل ، حجابه النور ، لو رفع لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره ، ثم قرأ أبو عبيدة أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ « 1 » والحديث أصله مخرج في صحيح مسلم من حديث عمرو بن مرة . وفي التوراة : جاء اللّه من سيناء ، وأشرف من ساعير واستعلى من جبال فاران . والمراد بعثة موسى من سيناء ، وبعثة عيسى من ساعير ، وبعثة محمد صلّى اللّه عليه وسلم من فاران ، وهو اسم مكة ، ثم نزه سبحانه نفسه من السوء فقال : وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فيه تعجيب لموسى من ذلك هو من جملة ما نودي به ، وإنما وقع التعرض للتنزيه في هذا المقام لدفع ما ربّ أن يتوهمه موسى بحسب الطبع البشري ، الجاري على العادة الخلقية أن الكلام الذي يسمعه في ذلك المكان بحرف وصوت حادث ، ككلام الخلق ، أو المتكلم به في مكان أو جهة قاله الحفناوي . يا مُوسى إِنَّهُ أي الشان أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الغالب القاهر الْحَكِيمُ في أمري وفعلي ، وقيل : إن موسى قال : يا رب من الذي ناداني ؟ فأجابه سبحانه بقوله : إنه أنا

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 293 ، وابن ماجة في المقدمة باب 13 ، وأحمدة في المسند 4 / 401 ، 405 .