صديق الحسيني القنوجي البخاري

117

فتح البيان في مقاصد القرآن

اللّه وهو تمهيد لما أراد أن يظهر على يديه من المعجزات فأمره سبحانه بأن يلقي عصاه ليعرف ما أجراه على يديه من المعجزات الخارقة ، فيأنس بها فقال : وَأَلْقِ عطف على بورك منتظم معه في سلك تفسير النداء أي نودي أن بورك وأن ألق عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ جملة حالية من هاء ( رآها ) لأن الرؤية بصرية وقوله كَأَنَّها جَانٌّ يجوز أن تكون حالا ثانية وأن تكون حالا من ضمير ( تهتز ) فتكون حالا متداخلة ، قاله السمين . قال الزجاج : صارت العصا تتحرك كما يتحرك الجان وهو الحية البيضاء ، وإنما شبهها بالجان في خفة حركتها وإلا فجثتها كانت كبيرة جدا : وشبهها في موضع آخر بالثعبان لعظمها ، وجمع الجان جنان ، وهي الحية الخفيفة الصغيرة الجسم ، وقال الكلبي : لا صغيرة ولا كبيرة . والفاء فصيحة تفصح عن جملة قد حذفت ثقة بظهورها ، ودلالة على سرعة وقوع مضمونها كأنه قيل : فألقاها فانقلبت حية تسعى ، فأبصرها . فلما أبصرها متحركة بسرعة واضطراب وَلَّى مُدْبِراً من الخوف وَلَمْ يُعَقِّبْ أي لم يرجع على عقبه من عقب المقاتل إذا كر بعد الفر ، يقال : عقب فلان إذا رجع وكل راجع معقب ، وقيل : لم يقف ولم يلتفت ولم يعطف ، ولم ينظر ، والأول أولى . لأن التعقيب هو الكر بعد الفر ، وإنما اعتراه الرعب لظنه أن ذلك لأمر أريد به كما ينبئ عنه قوله : يا مُوسى لا تَخَفْ من غيري أي : من الحية وضررها ثقة بي أو لا تخف مطلقا . إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ أي : لا يخاف عندي من أرسلته برسالتي ، من حية وغيرها ، فلا تخف ، أنت عندي . قيل : ونفي الخوف عن المرسلين ليس في جميع الأوقات ، بل في وقت الخطاب لهم ، والإيحاء والإرسال ؛ لأنهم إذ ذاك مستغرقون في مطالعة شؤون اللّه عز وجل ، لا يخطر ببالهم خوف من شيء وأما في غير هذه الحالة فالمرسلون أخوف الناس منه تعالى . أو المعنى لا يكون لهم عندي سوء عاقبة ليخافوا منه ، ثم استثنى استثناء منقطعا فقال : إِلَّا مَنْ ظَلَمَ أي لكن من أذنب في ظلم نفسه بالمعصية ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً أي : توبة وندما أتاه بَعْدَ سُوءٍ أي بعد عمل سوء فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ أقبل التوبة وأغفر له ؛ وقيل : الاستثناء من مقدر ، أي لا يخاف لدي المرسلون ، وإنما يخاف غيرهم ممن ظلم « إلا من ظلم الخ » ، كذا قال الفراء . وقال النحاس : الاستثناء من محذوف محال ، لأنه استثناء من شيء لم يذكر . وعن الفراء أن ( إلا ) بمعنى الواو . وقيل : إن الاستثناء متصل من المذكور لا من المحذوف ، والمعنى إلا من ظلم من المرسلين بإتيان الصغائر التي لا يسلم منها أحد ، واختار هذا النحاس ، وقال : علم من عصاه منهم فاستثناه فقال إلا من ظلم ، وإن كنت قد غفرت له كآدم ، وداود .