صديق الحسيني القنوجي البخاري

104

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَما كُنَّا ظالِمِينَ في تعذيبهم وليس من شأننا الظلم وقد قدمنا الحجة إليهم وانذرناهم واعذرنا إليهم . وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ أي بالقرآن الشَّياطِينُ وقرىء بالواو والنون اجراء له مجرى جمع السلامة . قال النحاس : وهذا غلط عند جميع النحويين ، قال المبرد وهذا غلط من العلماء ، وبه قال الفراء ، وقال المؤرج : إن كان الشيطان من شاط يشيط كان لهذه القراءة وجه ، وقال يونس بن حبيب سمعت اعرابيا يقول : دخلنا بساتين من ورائها بساتون ، وهذا رد لما زعمه الكفرة في القرآن أنه من قبيل ما تلقيه الشياطين على الكهنة بعد تحقيق الحق ببيان أنه نزل به الروح الأمين ، فلا يكون سحرا أو كهانة أو شعرا أو أضغاث أحلام كما يقولون . وَما يَنْبَغِي لَهُمْ ذلك وما يصح منهم ولا يصلح أن ينزلوا به وَما يَسْتَطِيعُونَ ما نسبه الكفار إليهم أصلا ولا يمكنهم إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ للقرآن أو لكلام الملائكة لَمَعْزُولُونَ أي لمحجوبون مرجومون بالشهب ، ثم لما قرر اللّه سبحانه حقية القرآن ، وإنه منزل من عنده أمر نبيه صلّى اللّه عليه وسلم بدعاء اللّه وحده فقال : فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ إن فعلت ذلك الذي دعوك إليه ، وخطاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم بهذا مع كونه منزها عنه معصوما منه ، لحث العباد على التوحيد ، ونهيهم عن شوائب الشرك ، وكأنه قال : أنت أكرم الخلق عليّ وأعزهم عندي ، ولو اتخذت معي إلها لعذبتك ، فكيف بغيرك من العباد ؟ قال في حاشية الجمل : الخطاب له والمقصود غيره . وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ خصهم لأن الاهتمام بشأنهم أولى وهدايتهم إلى الحق أقدم ، قيل هم قريش ، وقيل : بنو عبد مناف ، وقيل : بنو هاشم وقد ثبت في البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال : لما نزلت هذه الآية دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قريشا وعم وخص ، فقال : « يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار ، فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا ، يا معشر بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا ، يا معشر بني قصي انقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا ، يا معشر بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا ، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا ، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لك ضرا ولا نفعا ، ألا إن لكم رحما وسأبلها ببلالها » « 1 » ، وفي الباب

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأدب باب 14 ، ومسلم في الإيمان حديث 348 ، والترمذي في تفسير سورة 26 باب 2 ، والنسائي في الوصايا باب 6 ، وأحمد في المسند 2 / 333 ، 360 ، 519 .