صديق الحسيني القنوجي البخاري
105
فتح البيان في مقاصد القرآن
أحاديث من طريق جماعة من الصحابة فذلك منه صلّى اللّه عليه وسلم بيان لعشيرة الأقربين وانذاره لهم جهارا . وَاخْفِضْ جَناحَكَ أي جانبك ، يقال : خفض جناحه إذا ألانه ، وفيه استعارة حسنة ، والمعنى ألن جناحك وتواضع لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الموحدين من عشيرتك وغيرهم ، وأظهر لهم المحبة والكرامة ، وتجاوز عنهم . فَإِنْ عَصَوْكَ أي خالفوا أمرك ولم يتبعوك فَقُلْ لهم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ أي من عملكم أو من الذي تعملونه من عبادة غير اللّه ، وهذا يدل على أنّ المراد بالمؤمنين المشارفون للإيمان المصدقون باللسان ، لأن المؤمنين الخلص لا يعصونه ولا يخالفونه ، ثم بين له ما يعتمد عليه عند عصيانهم له فقال : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ أي فوّض جميع أمورك إليه فإنه القادر على قهر الأعداء وهو الرحيم للأولياء ، قرىء فتوكل بالفاء والواو وهما قراءتان سبعيتان فعلى الأولى يكون ما بعدها كالجزاء مما قبلها مترتبا عليه ، وعلى الثانية يكون ما بعد الواو معطوفا على ما قبلها عطف جملة على جملة من غير ترتيب الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ إلى الصلاة وحدك منفردا في قول أكثر المفسرين وقال مجاهد حين تقوم حيثما كنت . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 219 إلى 227 ] وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ( 219 ) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 220 ) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ ( 221 ) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ( 222 ) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ ( 223 ) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ( 224 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ( 225 ) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ( 226 ) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ( 227 ) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ المصلين ، أي ويراك إن صليت في الجماعة راكعا وقائما وساجدا ، كذا قال أكثر المفسرين وعن مقاتل أنه سأل أبا حنيفة رحمهما اللّه هل تجد الصلاة بالجماعة في القرآن قال لا يحضرني فتلا له هذه الآية ، وقيل : يراك في أصلاب الرجال الموحدين من نبي إلى نبي من لدن آدم وحواء إلى عبد اللّه وآمنة ، حتى أخرجك في هذه الأمة ؛ فجميع أصوله رجالا ونساء مؤمنون . وأورد على هذا آزر أبو إبراهيم فإنه كافر بمقتضى الآيات وأجاب بعضهم بأنه كان عم إبراهيم لا أباه ، وفيه ضعف بين . وأجاب بعضهم أن قولهم أصول محمد صلّى اللّه عليه وسلم لم يدخلهم الشرك ، محله ما دام النور المحمدي في الذكر وفي الأنثى ، فإذا انتقل منه لمن بعده أمكن أن يعبد غير اللّه ، وآزر ما عبد الأصنام إلا بعد انتقال النور منه لإبراهيم ، وأما قبل انتقاله فلم يعبد غير اللّه ، قاله الحفناوي .