صديق الحسيني القنوجي البخاري
95
فتح البيان في مقاصد القرآن
إن موسى أمرهم بيوم الجمعة وعينه لهم وأخبرهم بفضيلته على غيره فخالفوه وقالوا إن السبت أفضل ، فقال اللّه له دعهم وما اختاروا لأنفسهم . وقيل إن اللّه أمرهم بتعظيم يوم في الأسبوع فاختلف اجتهادهم فيه فعينت اليهود السبت لأن اللّه سبحانه فرغ فيه من الخلق ؛ وعينت النصارى يوم الأحد لأن اللّه بدأ فيه الخلق ، فألزم اللّه كلّا منهم ما أدى إليه اجتهاده وعين لهذه الأمة الجمعة من غير أن يكلهم إلى اجتهادهم فضلا منه ونعمة . ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن اليهود كانوا يزعمون أن السبت من شرائع إبراهيم عليه السلام ، فأخبر اللّه سبحانه أنه إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ولم يجعله على إبراهيم ولا على غيره ، وإنما شرع ذلك لبني إسرائيل بعد مدة طويلة . قال الواحدي : هذا مما أشكل على كثير من المفسرين حتى قال بعضهم معنى الاختلاف في السبت أن بعضهم قال هو أعظم الأيام حرمة وقال آخرون الأحد أفضل ؛ وهذا غلط لأن اليهود لم يكونوا فرقتين في السبت وإنما اختار الأحد النصارى بعدهم بزمان طويل . وعن مجاهد في الآية قال : أراد الجمعة فأخذوا السبت مكانها ، وعن أبي مالك وسعيد بن جبير في الآية قالا باستحلالهم إياه ، رأى موسى عليه السلام رجلا يحمل حطب يوم السبت فضرب عنقه . وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم يعني الجمعة فاختلفوا فيه فهدانا اللّه له فالناس لنا فيه تبع ، اليهود غدا والنصارى بعد غد » « 1 » وأخرج مسلم وغيره من حديث حذيفة نحوه . وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ أي بين المختلفين فيه يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ فيجازي فيه كلّا بما يستحقه ثوابا وعقابا كما وقع منه سبحانه من المسخ لطائفة منهم والتنجية لأخرى . ثم أمر اللّه سبحانه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يدعو أمته إلى الإسلام فقال ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ وحذف المفعول لكونه بعث إلى الناس كافة أو المعنى أفعل الدعاء والأول أولى وكأن المعنى وخاطب الناس في دعائك لهم وسبيل اللّه هو الإسلام بِالْحِكْمَةِ أي بالمقالة المحكمة الصحيحة الموضحة للحق المزيلة للشبهة والشك ، قيل وهي الحجج القطعيّة المفيدة لليقين وقيل القرآن وقيل النبوة .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجمعة باب 1 ، 12 ، والأنبياء باب 54 ، والتعبير باب 40 ، ومسلم في الجمعة حديث 19 ، 21 ، والنسائي في الجمعة باب 1 ، والدارمي في المقدمة باب 8 .