صديق الحسيني القنوجي البخاري

96

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وهي المقالة المشتملة على الموعظة الحسنة التي يستحسنها السامع وتكون في نفسها حسنة باعتبار انتفاع السامع بها قيل هي الحجج الظنية الاقناعية الموجبة للتصديق بمقدمات مقبولة قيل وليس للدعوة إلا هاتان الطريقتان . ولكن الداعي قد يحتاج مع الخصم الألدّ إلى استعمال المعارضة والمناقضة ونحو ذلك من الجدل ولهذا قال سبحانه وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف وإيثار الوجه الأيسر والمقدمات التي هي أشهر فإن ذلك أنفع في تسكين شرهم وهو ردّ على من يأبى المناظرة في الدين وإنما أمر سبحانه بالمجادلة الحسنة لكون الداعي محقا وغرضه صحيحا وكان خصمه مبطلا وغرضه فاسدا . قيل إن الناس خلقوا وجبلوا على ثلاثة أقسام : الأول : هم العلماء وهم المشار إليهم بقوله : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ . والثاني : هم أصحاب النظر السليم والخلقة الأصلية وهم غالب الناس وهم المشار إليهم بقوله وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ . والثالث : هم أصحاب جدال وخصام ومعاندة وهم المشار إليهم بقوله وجادلهم الخ ، وقال مجاهد في الآية اعرض عن أذاهم إياك ولا تقصر في تبليغ الرسالة ، وعلى هذا فالآية منسوخة بآية السيف ، قال بعضهم لا حاجة إلى دعوى النسخ إذ الأمر بالمجادلة ليس فيه تعريض للنهي عن المقاتلة . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ لما حث سبحانه على الدعوة بالطرق المذكورة بين أن الرشد والهداية ليس إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وإنما ذلك إلى اللّه تعالى وهو الأعلم بمن يضل . وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أي بمن يبصر الحق فيقصده غير متنعت ، وإنما شرّع لك الدعوة وأمرك بها قطعا للمعذرة وتتميما للحجة وإزاحة للشبهة وليس عليك غير ذلك ، وفي إيثار الفعلية في الضالين والاسمية في مقابليهم إشارة إلى أنهم غيّروا الفطرة وبدّلوها بإحداث الضلال ومقابلوهم استمروا عليه وتقديم أرباب الضلال لأن الكلام وارد فيهم . ثم لما كانت الدعوة تتضمن تكليف المدعوين بالرجوع إلى الحق فإن أبوا قوتلوا ، أمر الداعي بأن يعدل في العقوبة فقال وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ أي بمثل ما فعل بكم لا تجاوزوا ذلك . قال ابن جرير : نزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة أن لا ينال من ظالمه إذا تمكن إلا مثل ظلامته لا يتعداها إلى غيرها ونحوه في البيضاوي ، وهذا صواب لأن