صديق الحسيني القنوجي البخاري

86

فتح البيان في مقاصد القرآن

ففي المثل إنذار لغيرها من مثل عاقبتها . وعن ابن عباس قال : يعني مكة وعن عطية مثله وزاد فقال : ألا ترى أنه قال وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ قال الواقدي : ذكر المشبه به ولم يذكر المشبه لوضوحه عند المخاطبين . والآية عند عامة المفسرين نازلة في أهل مكة وما امتحنوا به من الخوف والجوع بعد الأمن والنعمة بتكذيبهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فتقدير الآية ضرب اللّه مثلا لقريتكم ، أي بيّن اللّه لها شبها ، ثم وصف القرية بأنها كانَتْ آمِنَةً غير خائفة . مُطْمَئِنَّةً غير منزعجة ، أي لا يخاف أهلها ولا ينزعجون ، وعن ابن شهاب قال القرية التي كانت آمنة مطمئنة هي يثرب . قلت ولا أدري أي دليل على هذا التعيين ولا أي قرينة قامت له على ذلك ومتى كفرت دار الهجرة ومسكن الأنصار بأنعم اللّه وأي وقت أذاقها اللّه لباس الجوع والخوف وهي التي تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد كما صح ذلك عن الصادق المصدوق « 1 » . وصح عنه صلّى اللّه عليه وسلّم إنه قال « والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون » يَأْتِيها رِزْقُها أي ما يرتزق به أهلها رَغَداً أي واسعا يقال رغد العيش بالضم رغادة اتسع ولأن فهو رغد ورغيد ورغد رغدا من باب تعب لغة فهو راغدة وهو في رغد من العيش أي رزق واسع ، وأرغد القوم بالألف أخصبوا والرغيد الزبد مِنْ كُلِّ مَكانٍ من الأمكنة التي يجلب ما فيها إليها أي من نواحيها من البر والبحر . فَكَفَرَتْ أي كفر أهلها بِأَنْعُمِ اللَّهِ التي أنعم بها عليهم وهي جمع نعمة كالأشد جمع شدة ، وقيل كالأدرع جمع درع على ترك الاعتداد بالتاء وقيل جمع نعم مثل بؤس وأبؤس ويحتمل أنه جمع نعماء بفتح النون والمد وهي بمعنى النعمة وهذا الكفر منهم هو كفرهم باللّه سبحانه وتكذيب رسله . فَأَذاقَهَا اللَّهُ أي أهلها لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ أي أثرهما فقحطوا سبع سنين وسمي ذلك لباسا لأنه يظهر به عليهم من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس فاستعير له اسمه وأوقع عليه الإذاقة وأصلها الذوق بالفم ثم استعيرت لمطلق الإيصال مع إنبائها بشدة الإصابة لما فيها من اجتماع الإدراكين إدراك اللمس والذوق .

--> ( 1 ) لفظ الحديث : « المدينة كالكير ، تنفي خبثها ، كما ينفي الكير خبث الحديد » ، أخرجه البخاري في المدينة باب 10 ، والأحكام باب 45 ، 47 ، 50 ، والاعتصام باب 16 ، ومسلم في الحج حديث 487 ، 489 ، والترمذي في المناقب باب 67 ، والنسائي في البيعة باب 22 ، ومالك في المدينة حديث 4 ، وأحمد في المسند 3 / 306 ، 307 ، 365 ، 385 ، 392 ، 393 .