صديق الحسيني القنوجي البخاري
87
فتح البيان في مقاصد القرآن
روي أن ابن الراوندي الزنديق ، قال لابن الأعرابي إمام اللغة والأدب : هل يذاق اللباس ؟ فقال له ابن الأعرابي : لا بأس أيها النسناس هب أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ما كان نبيا أما كان عربيا ، كأنه طعن في الآية بأن المناسب أن يقال فكساها اللّه لباس الجوع أو فأذاقها اللّه طعم الجوع ، فردّ عليه ابن الأعرابي . وقد أجاب علماء البيان هذا أن تجريد الاستعارة وذلك إنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس ، ثم ذكر الوصف ملائما للمستعار له وهو الجوع والخوف لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة فيقولون ذاق فلان البؤس والضر ، وأذاقه غيره فكانت الاستعارة مجردة ولو قال فكساها كانت مرشحة قيل وترشيح الاستعارة وإن كان مستحسنا من جهة المبالغة إلا أن للتجريد ترجيحا من حيث إنه روعي جانب المستعار له فازداد الكلام وضوحا . قال الرازي : والحاصل أنه حصل لهم في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق ، وحالة تشبه الملبوس ، فاعتبر اللّه كلا الاعتبارين فقال فأذاقها ، والتقدير : أن اللّه عرفها لباس الجوع والخوف إلا أنه تعالى عبر عن التعريف بلفظ الإذاقة ، وأصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرف والاختيار قال الشاعر : ومن يذق الدنيا فإني طعمتها * وسيق إلينا عذبها وعذابها أو يحمل اللبس على المماسة أي فأذاقها اللّه مساس الجوع بِما كانُوا يَصْنَعُونَ أي فعلنا بهم ما فعلنا بسبب تكذيبهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وخروجه من بين أظهرهم ، ولم يقل صنعت لأنه أراد أهل القرية ، قال الفراء : كل الصفات أجريت على القرية إلا قوله يصنعون تنبيها على أن المراد في الحقيقة أهلها . وَلَقَدْ جاءَهُمْ يعني أهل مكة رَسُولٌ مِنْهُمْ أي من جنسهم يعرفونه ويعرفون نسبه فأمرهم بما فيه نفعهم ونهاهم عما فيه ضررهم فَكَذَّبُوهُ فيما جاء به فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ النازل بهم من اللّه سبحانه وَهُمْ أي والحال أنهم في حال أخذهم العذاب لهم ظالِمُونَ لأنفسهم بإيقاعها في العذاب الأبدي ولغيرهم بالأضرار لهم وصدهم عن سبيل اللّه . وهذا الكلام من تمام المثل المضروب وقيل إن المراد بالعذاب هنا هو الجوع الذي أصابهم ، وقيل القتل يوم بدر والأول أولى . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 114 إلى 118 ] فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 114 ) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 115 ) وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( 116 ) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 117 ) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 118 )