صديق الحسيني القنوجي البخاري

85

فتح البيان في مقاصد القرآن

يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها أي تخاصم وتسعى في خلاصها ، وقد استشكل إضافة ضمير النفس إلى النفس ولا بدّ من التغاير بين المضاف والمضاف إليه . وأجيب بأن المراد بالنفس الأولى جملة بدن الإنسان وبالنفس الثانية الذات فكأنه قيل يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه غيرها بل يقول نفسي نفسي ومعنى المجادلة عنها الاعتذار بما لا يقبل منه كقوله وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] ونحو ذلك من المعاذير الكاذبة فهو مجادل ومخاصم عن نفسه لا يتفرغ لغيرها يوم القيامة . وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ جزاء ما عَمِلَتْ في الدنيا من خير أو شر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ من جزاء أعمالهم بل يوفون ذلك كاملا من غير زيادة أو نقصان وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً قد قدمنا أن ضرب مضمن معنى جعل ولذا عدّي إلى مفعولين قد اختلف المفسرون هل المراد بهذا القرية قرية معينة أو المراد قرية غير معينة . قال الزمخشري : بل كل قوم أنعم اللّه عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا وتولوا فأنزل اللّه بهم نقمته ، ونحوه في البيضاوي . قال القرطبي : إنه مثل مضروب لأي قرية كانت على هذه الصفة من سائر القرى فيجوز أن تراد قرية مقدرة على هذه الصفة ، ويجوز أن تكون في قرى الأولين قرية كانت هذه حالها فضربها اللّه مثلا لمكة إنذارا من مثل عاقبتها . وذهب الأكثرون إلى الأول وصرحوا بأنها مكة ، وذلك لما دعا عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : « اللهم أشدد وطأتك على مضر وأجعلها عليهم سنين كسني يوسف » « 1 » فابتلوا بالقحط حتى أكلوا العظام ، والثاني أرجح لأن تنكير قرية يفيد بذلك ، ومكة تدخل في هذا العموم البدلي دخولا أوليا . وأيضا يكون الوعيد أبلغ والمثل أكمل وغير مكة مثلها ، وعلى فرض إرادتها

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأذان باب 128 ، والاستسقاء باب 2 ، والجهاد باب 98 ، والأنبياء باب 19 ، وتفسير سورة 3 ، باب 9 ، وسورة 4 باب 21 ، والأدب باب 110 ، والإكراه في المقدمة ، ومسلم في المساجد حديث 294 ، 295 ، وأبو داود في الصلاة باب 216 ، والوتر باب 10 ، والنسائي في التطبيق باب 27 ، وابن ماجة في الإقامة باب 145 ، وأحمد في المسند 2 / 239 ، 255 ، 271 ، 418 ، 470 ، 502 ، 521 .