صديق الحسيني القنوجي البخاري
79
فتح البيان في مقاصد القرآن
باللّه والتوكل عليه يمنعان الشيطان من وسوسته لهم وإن وسوس لأحد منهم لا تؤثر فيه وسوسته وهؤلاء الجامعون بين الإيمان والتوكل هم الذين قال فيهم إبليس إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ الحجر : 40 ] وقال اللّه فيهم إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ [ الحجر : 42 ] . ثم حصر سبحانه سلطان الشيطان فقال : إِنَّما سُلْطانُهُ أي تسلطه عَلَى إغواء الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ أي يتخذونه وليا ويطيعونه في وساوسه يقال توليته إذا أطعته وتوليت عنه إذا أعرضت عنه وهذا مقابل لقوله وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ أي باللّه والباء للتعدية مُشْرِكُونَ وقيل الضمير يرجع إلى الشيطان والباء للسببية أي والذين هم من أجله وبسبب وسوسته مشركون باللّه وهذا مقابل لقوله على الذين آمنوا . وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ هذا شروع منه سبحانه في حكاية شبهة كفرية ودفعها ومعنى التبديل رفع الشيء مع وضع غيره مكانه وتبديل الآية رفعها بأخرى غيرها وهو نسخها بآية سواها قال مجاهد : وهو كقوله ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها [ البقرة : 106 ] الخ . . وقد تقدم الكلام على النسخ في البقرة وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ اعتراض دخل في الكلام أي أنه أعلم بما ينزل من الناسخ وبما هو أصلح لخلقه وبما يغير وما يبدل من أحكامه ، وهذا نوع توبيخ وتقريع للكفار ، وقيل الجملة حالية وليس بظاهر . وجواب إذا قوله قالُوا أي كفار قريش الجاهلون للحكمة في النسخ إِنَّما أَنْتَ يا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مُفْتَرٍ أي كاذب مختلق على اللّه فتقول عليه بما لم يقل حيث تزعم إنه أمرك بشيء ثم تزعم إنه أمرك بخلافه فرد اللّه سبحانه عليهم بما يفيد جهلهم فقال : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شيئا من العلم أصلا أو لا يعلمون حقيقة القرآن وهو أنه اللفظ المنزل من عند اللّه على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته أو لا يعلمون بالحكمة في النسخ فإنه مبني على المصالح التي لا يعلمها إلا اللّه سبحانه فقد تكون في شرع هذا الشيء مصلحة موقتة بوقت ثم تكون المصلحة بعد ذلك الوقت في شرع غيره . وفيه التخفيف على العباد ولو انكشف الغطاء لهؤلاء الكفرة لعرفوا أن ذلك وجه الصواب ومنهج العدل والرفق واللطف . ثم بيّن سبحانه لهؤلاء المعترضين على حكمة النسخ الزاعمين أن ذلك لم يكن من عند اللّه وأن رسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم افتراه فقال قُلْ نَزَّلَهُ أي القرآن المدلول عليه بذكر الآية رُوحُ الْقُدُسِ بضم الدال وسكونها سبعيتان والقدس التطهير والطهارة والمعنى نزله الروح المطهر من أدناس البشرية وهو جبريل عليه السلام فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة كما يقال حاتم الجود وطلحة الخير مِنْ رَبِّكَ أي ابتداء تنزيله من عنده سبحانه بِالْحَقِّ أي متلبسا بكونه حقا ثابتا لحكمة بالغة .