صديق الحسيني القنوجي البخاري

80

فتح البيان في مقاصد القرآن

لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا على الإيمان فيقولون كل من الناسخ والمنسوخ من عند ربنا ولأنهم أيضا إذا عرفوا ما في النسخ من المصالح ثبتت أقدامهم على الإيمان ورسخت عقائدهم وقرىء من الإثبات وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ معطوفان على محل ليثبت أي تثبيتا لهم وهداية وبشارة وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصائل لغيرهم . ثم ذكر سبحانه شبهة أخرى من شبههم فقال وَلَقَدْ نَعْلَمُ علما مستمرا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ وليس هو من عند اللّه كما هو يزعم ، واللام هي الموطئة أي واللّه لقد نعلم أن هؤلاء الكفار يقولون إنما يعلم محمدا القرآن بشر من بني آدم غير ملك . وقد اختلف أهل العلم في تعيين هذا البشر الذي زعموا عليه ما زعموا فقيل هو غلام الفاكه بن المغيرة واسمه جبر وكان نصرانيا حدادا روميا فأسلم ، وكان قريش إذا سمعوا من النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أخبار القرون الأولى مع كونه أميا قالوا إنما يعلمه جبر . وقيل اسمه عايش أو يعيش عبد لبني الحضرمي وكان يقرأ الكتب الأعجمية ، وقيل غلام لبني عامر بن لؤي ، وقيل عنوا سلمان الفارسي ، وقيل عنوا نصرانيا بمكة اسمه بلعام وكان يقرأ التوراة ، وقيل عنوا رجلا نصرانيا كان اسمه أبا ميسرة يتكلم بالرومية ، وفي رواية اسمه عداس وقيل أرادوا بالبشر غلامين اسم أحدهما يسار واسم الآخر جبر ، وكانا صيقليّين يعملان السيوف بمكة ، وكانا يقرآن كتابا لهم ، وقيل كان يقرآن التوراة والإنجيل وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يمرّ عليهما ويسمع ما يقرآنه فقال المشركون إنما يتعلم منهما ؛ قاله عبد اللّه بن مسلم الحضرمي . قال النحاس : وهذه الأقوال غير متناقضة لأنه يجوز أنهم زعموا أنهم جميعا يعلمونه ولكن لا يمكن الجمع باعتبار قول من قال إنه سلمان لأن هذه الآية مكية وهو إنما أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة . ثم أجاب سبحانه عن قولهم هذا فقال لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أي لغته وكلامه أَعْجَمِيٌّ والإلحاد الميل يقال لحد وألحد أي مال عن القصد ومنه لحد القبر لأنه حفرة مائلة عن وسطه ، وقد تقدم في الأعراف ، والمعنى لسان الذي يميلون إليه ويشيرون ويزعمون أنه يعلمك أعجمي يقال رجل أعجم وامرأة عجماء أي لا يفصحان والعجمة الإخفاء وهي ضد البيان والعرب تسمي كل من لا يعرف لغتهم ولا يتكلم بها أعجميا . قال الفراء والراغب : الأعجم الذي في لسانه عجمة وإن كان في العرب والأعجمي هو الذي أصله من العجم ، وقال أبو علي الفارسي : العجمي المنسوب إلى العجم الذي لا يفصح سواء كان من العرب أو من العجم وكذلك الأعجم والأعجمي