صديق الحسيني القنوجي البخاري

50

فتح البيان في مقاصد القرآن

وأنث الضمير في اتخذي لكونه أحد الجائزين كما تقدم أو للحمل على المعنى أو لكون النحل جمعا وأهل الحجاز يؤنثون النحل ، والمعنى سخرها لما خلقها له وألهمها رشدها وقدر في نفسها هذه الأعمال العجيبة التي يعجز عنها العقلاء من البشر ، وذلك أن النحل تبني بيوتا على شكل مسدس من أضلاع متساوية لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها ، ولو كانت البيوت مدورة أو مثلثة أو مربعة أو غير ذلك من الأشكال لكان فيها فرج خالية ضائعة ، ولما حصل المقصود فألهمها اللّه تعالى أن تبنيها على هذا الشكل المسدس الذي لا يحصل فيه خلل ولا فرجة خالية . وألهمها أيضا أن يجعلوا عليهم أميرا كبيرا نافذ الحكم فيهم ، وهم يطيعونه ويمتثلون أمره ويكون هذا الأمير أكبرهم جثة وأعظمهم خلقة ويسمى يعسوب النحل يعني ملكهم ، كذا حكاه الجوهري . وألهمها أيضا أن جعلوا على باب كل خلية بوابا لا يمكن غير أهلها من الدخول إليها ؛ وألهمها أيضا أنها تخرج من بيوتها فتدور وترعى ثم ترجع إلى بيوتها ولا تضل عنها ، ولما امتاز هذا الحيوان الضعيف بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء والفطنة دل ذلك على الإلهام الإلهي . ومن في من الجبال وَ كذا في مِنَ الشَّجَرِ وَ كذا في مِمَّا يَعْرِشُونَ للتبعيض ، أي مساكن توافقها وتليق بها في كوى الجبال وتجويف الشجر وفي العروش التي يعرشها بنو آدم من الأجباح « 1 » والحيطان وغيرها ، وأكثر ما يستعمل فيما يكون من الخشب ، يقال عرش يعرش بكسر الراء وضمها وهما سبعيتان وبابه نصر وضرب كما في المختار . والظاهر أن من في مِمَّا بمعنى في إذ لا معنى لكونها تبنى من بناء الناس بل الظاهر أنها تبنى في بنائهم ويكون المراد من بنائهم الكوارة ومن بنائها بيتها الذي تمج فيه العسل ، فإن من المشاهد أنها تبني لها بيتا داخل الخلية من الشمع ثم تمج فيه العسل شيئا فشيئا . والظاهر أن مِنَ في الموضعين الأولين بمعنى في أيضا كما صرح به الشهاب ويكون المراد ببيوتها ما تبنيه من الشمع كما تقدم ، فالشمع تارة تبنيه في الجبال وتارة في الأشجار ، وهذا في النحل الوحشيّ ، وتارة تبنيه في الخلايا ، وهذا في النحل الأهلي فإن النحل قسمان كما ذكره الخازن .

--> ( 1 ) الجبح : خليه العسل ، جمعه : أجبح ، وأجباح .