صديق الحسيني القنوجي البخاري

51

فتح البيان في مقاصد القرآن

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 69 إلى 70 ] ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 69 ) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 70 ) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ من للتبعيض لأنها تأكل النور من الأشجار فإذا أكلتها فَاسْلُكِي أي فادخلي سُبُلَ رَبِّكِ أي الطرق التي فهمك اللّه وعلمك وأضافها إلى الرب لأنه خالقها وملهم النحل أن تسلكها ؛ أي ادخليها لطلب الرزق في الجبال وخلال الشجر ، أو اسلكي ما أكلت في سبل ربك أي في مسالكه التي يستحيل فيها بقدرته النور المر عسلا من أجوافك أو إذا أكلت الثمار في الأمكنة البعيدة فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربك لا تضلين فيها . ذُلُلًا حال من السبل وهي جمع ذلول أي مذللة غير متوعرة ، واختار هذا الزجاج وابن جرير ، وقيل حال من النحل ، يعني مطيعة للتسخير وإخراج العسل من بطونها . واختار هذا ابن قتيبة . قال مجاهد : طرقا لا يتوعر عليها مكان سلكته ، وعن قتادة قال مطيعة . قال السدي ذليلة يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها مستأنفة عدل به عن خطاب النحل تعديدا للنعم وتعجيبا لكل سامع وتنبيها على العبر وإرشادا إلى الآيات العظيمة الحاصلة من هذا الحيوان الضعيف الشبيه بالذباب . شَرابٌ المراد به في الآية هو العسل قاله ابن عباس مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ يعني أن بعضه أبيض وبعضه أحمر وبعضه أزرق وبعضه أصفر باختلاف ذوات النحل وألوانها ومأكولاتها ، وذلك على قدر ما تأكل من الثمار والإزهار ويستحيل في بطونها عسلا . وفي هذا دليل على قدرته . وفي البيضاوي مختلف ألوانه بسبب اختلاف سن النحل أو الفصل قال الشهاب : فالأبيض لفتيّها والأصفر لكهلها والأحمر لمسنها ، ولا يخفى إنه مما لا دليل عليه . انتهى . وجمهور المفسرين على إن العسل يخرج من أفواه النحل ويسيل كاللعاب وقيل من أسفلها ، وقيل لا يدري من أين يخرج منها . فِيهِ أي في الشراب الخارج من بطون النحل وهو العسل ، وإلى هذا ذهب الجمهور شِفاءٌ لِلنَّاسِ قال مجاهد : العسل فيه الشفاء وفي القرآن . وقال الفراء وابن كيسان وجماعة من السلف أن الضمير راجع إلى القرآن ، ويكون التقدير فيما قصصنا عليكم من الآيات والبراهين شفاء للناس ، ولا وجه للعدول عن الظاهر ومخالفة المرجع الواضح والسياق البين .