صديق الحسيني القنوجي البخاري
49
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقيل إن السكر الخل بلغة الحبشة والرزق الطعام من الشجرتين ، وقيل السكر العصير الحلو الحلال ، وسمي سكرا لأنه قد يصير مسكرا إذا بقي فإذا بلغ الاسكار حرم والقول الأولى أولى وعليه الجمهور ، وقد صرح أهل اللغة بأن السكر اسم للخمر ولم يخالف في ذلك إلا أبو عبيدة فإنه قال السكر الطعم . ورجح هذا ابن جرير فقال : إن السكر ما يطعم من الطعام ويحل شربه من ثمار النخيل والأعناب وهو الرزق الحسن فاللفظ مختلف والمعنى واحد مثل إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [ يوسف : 86 ] . قال الزجاج : قول أبي عبيدة هذا لا يعرف وأهل التفسير على خلافه . وقد حمل السكر جماعة من الحنفية على ما لا يسكر من الأنبذة وعلى ما ذهب ثلثاه بالطبخ قالوا وإنما يمتن اللّه على عباده ، بما أحله لا بما حرمه عليهم ، وهذا مردود بالأحاديث الصحيحة المتواترة على فرض تأخره عن آية تحريم الخمر . إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من إخراج اللبن واتخاذ السكر والرزق من الثمرات لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي لدلالة لمن يستعمل العقل ويعمل بما يقتضيه عند النظر في الآيات التكوينية . وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ قد تقدم الكلام في الوحي وأنه يكون بمعنى الإلهام وهو ما يخلقه في القلب ابتداء من غير سبب ظاهر ، ومنه قوله سبحانه : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها [ الشمس : 7 ، 8 ] ومن ذلك إلهام البهائم لفعل ما ينفعها وترك ما يضرها ، الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو لكل فرد من الناس ممن له عقل وتفكر يستدل به على كمال قدرة اللّه ووحدانيته وأنه الخالق لجميع الأشياء المدبر لها بلطيف حكمته وقدرته . وقرىء النحل بفتح الحاء ، قال الزجاج : وسمي نحلا لأن اللّه سبحانه نحله العسل الذي يخرج منه ، قال الجوهري : والنحل والنحلة الدبر يقع على الذكر والأنثى وقيل اسم جنس يفرق بينه وبين واحدة بالتاء ويذكر ويؤنث ، والنحل بالضم مصدر قولك نحلته من العطية أنحله نحلا ، والنحلى العطية على فعل . أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً أي بأن اتخذي على أن أَنِ هي المصدرية ، ويجوز أن تكون تفسيرية لأن في الايحاء معنى القول ، وبهذا قال الزمخشري وغيره ومن منع وهو أبو عبد اللّه الرازي قال : لا نسلم أنها مفسرة ، كيف وقد انتفى شرط التفسير بأن المراد من الايحاء هو الإلهام اتفاقا ، وليس فيه معنى القول وحينئذ فهي مصدرية ، كأنه قيل أوحى ربك باتخاذ بعض الجبال بيوتا ورده في المغني بأن الإلهام فيه معنى القول من حيث الدلالة على المعنى .