صديق الحسيني القنوجي البخاري

48

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقال البيضاوي : الفرث الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام في الكرش والمعنى أن الشيء الذي تأكله يكون منه ما في الكرش وهو الفرث ويكون منه الدم فيكون أسفله فرثا وأعلاه دما وأوسطه . لَبَناً فيجري الدم في العروق واللبن في الضروع ويبقى الفرث في الكرش كما هو فسبحان من هذه بعض حكمته خالِصاً من حمرة الدم وقذارة الفرث بعد أن جمعهما وعاء واحد وذلك أن الحيوان إذا أكل العلف طبخه الكرش ثم انقسم إلى أقسام ثلاثة ثفل وفوقه اللبن وفوقه الدم ثم تسلط الكبد عليها فترسل الدم إلى العروق واللبن إلى الضروع ويبقى الثفل في الكرش حتى ينزل إلى الخارج والحاصل أن اللّه تعالى خلق اللبن في مكان وسط بين الفرث والدم سائِغاً لِلشَّارِبِينَ أي لذيذا هنيئا لا يغص به من شربه يقال ساغ الشراب يسوغ سوغا أي سهل مدخله في الحلق وفي ذلك عبرة لمن اعتبر . وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً قال ابن جرير التقدير ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون فحذف ما ، ودل على حذفه قوله منه : وقيل التقدير وإن لكم من ثمرات النخل والأعناب لعبرة ، وقيل نسقيكم مما في بطونه ومن ثمرات النخيل وقيل نسقيكم من ثمرات النخيل قدره الزمخشري ويكون على هذا تتخذون منه سكرا بيانا للإسقاء وكشفا عن حقيقته . وقيل تقديره ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكرا ويكون تكرير منه للتأكيد وإنما ذكر الضمير في منه لأنه يعود إلى المذكور أو إلى المضاف المحذوف وهو العصير كأنه قال من عصير ثمرات تتخذون منه والسكر بفتحتين ما يسكر من الخمر ، وقيل إنه من أسماء الخمر وقيل إنه في الأصل مصدر سمي به الخمر . وَرِزْقاً حَسَناً هو جميع ما يؤكل من هاتين الشجرتين كالتمر والزبيب والخل والدبس ، قال ابن عباس : السكر ما حرم من ثمرتهما والرزق الحسن ما حل وعنه قال السكر الحرام ، والرزق زبيبه وخله وعنبه ومنافعه ، وأيضا قال السكر النبيذ والرزق والزبيب فنسختها آية إنما الخمر والميسر ، وعنه قال : فحرم اللّه بعد ذلك السكر مع تحريم الخمر لأنه منه ثم قال : وَرِزْقاً حَسَناً فهو الحلال من الخل والزبيب والنبيذ أو أشباه ذلك فاقرّه اللّه وجعله حلالا للمسلمين . وعن ابن عمر أنه سئل عن السكر فقال : الخمر بعينها وعن ابن مسعود قال : السكر الخمر وبالجملة فقد كان نزول هذه الآية قبل تحريم الخمر وبه جزم السيوطي اعتمادا على قولهم في السورة أنها مكية إلا ثلاث آيات من آخرها ، والمائدة مدنية وتحريم الخمر فيها وهي آخر القرآن نزولا كما ثبت في الحديث .