صديق الحسيني القنوجي البخاري

47

فتح البيان في مقاصد القرآن

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 66 إلى 68 ] وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ ( 66 ) وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 67 ) وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ( 68 ) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً الأنعام هي الإبل والبقر والغنم ويدخل في الغنم والمعز والعبرة أصلها تمثيل الشيء بالشيء ليعرف حقيقته بطريق المشاكلة ومنه فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [ الحشر : 2 ] والظاهر أن في سببية أي بسبب الأنعام ، وقال أبو بكر الوراق : العبرة في الأنعام تسخيرها لأربابها وطاعتها لهم . والظاهر أن العبرة هي قوله : نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ فتكون الجملة مستأنفة لبيان العبرة قرىء من سقى يسقي ومن أسقى يسقي قيل هما لغتان وقرىء بالتاء على أن الضمير راجع إلى الأنعام وبالتحتية على ارجاع الضمير إلى اللّه سبحانه وهما ضعيفان وجميع القراء على القراءتين الأوليين والفتح لغة قريش والضم لغة حمير . وقيل إن بين سقى وأسقى فرقا كان الشراب من يد الساقي إلى فم المسقى فيقال سقيته وإن كان بمجرد عرضه عليه وتهيئته له قيل أسقاه ومن تبعيضية أو ابتدائية والضمير في بطونه راجع إلى الأنعام ، قال سيبويه : العرب تخبر عن الأنعام بخبر الواحد ، وقال الزجاج : لما كان لفظ الجمع يذكر ويؤنث فيقال هو الأنعام وهي الأنعام جاز عود الضمير بالتذكير . وقال الكسائي : معناه مما في بطون ما ذكرنا فهو على هذا عائد إلى المذكور ، قال الفراء وهو صواب ، وقال المبرد : هذا فاش في القرآن كثير مثل قوله للشمس هذا رَبِّي [ الأنعام : 76 ] يعني هذا الشيء الطالع وكذلك إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ [ النمل : 35 ] ثم قال : فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ [ النمل : 36 ] ولم يقل جاءت لأن المعنى جاء الشيء الذي ذكرنا انتهى . ومن ذلك قوله : إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ [ الإنسان : 29 ] فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ [ عبس : 12 ] وحكى الكسائي أن المعنى مما في بطون بعضه وهي الإناث لأن الذكور لا ألبان لها ، وبه قال أبو عبيدة ، وحكى عن الفراء أنه قال : النعم والأنعام واحد يذكر ويؤنث ولهذا تقول العرب هذه نعم وارد فرجع الضمير إلى لفظ النعم الذي هو بمعنى الأنعام وهو كقول الزجاج ، ورجحه ابن العربي فقال : إنما يرجع التذكير إلى معنى الجمع والتأنيث إلى معنى الجماعة فذكره هنا باعتبار لفظ الجمع وأنثه في سورة المؤمنين باعتبار لفظ الجماعة مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ الفرث الزبل الذي ينزل إلى الكرش ، فإذا خرج منه لم يسم فرثا بل يسمى روثا وهو ثفل الكرش يقال أفرثت الكرش إذا أخرجت ما فيها .