صديق الحسيني القنوجي البخاري

44

فتح البيان في مقاصد القرآن

أنهم يبعثون على نياتهم « 1 » ، وقد قدمنا عند تفسير قوله سبحانه وَاتَّقُوا فِتْنَةً [ الأنفال : 25 ] الآية تحقيقا حقيقا بالمراجعة له . قال سعيد بن جبير : ما ترك عليها من دابة : ما سقاهم المطر ، وعن السدي نحوه ، أي يمسك المطر بسبب ظلمهم وانقطاعه يوجب انقطاع النسل وقيل لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن الأبناء ، وذلك يستلزم أن لا يبقى في العالم أحد من الناس ؛ وقال قتادة : قد فعل ذلك في زمن نوح ، أهلك اللّه ما على الأرض من دابة إلا ما حمل في سفينته . وهذا إيذان بأن ما أتوه من القبائح فقد تناهى إلى أمد لا غاية وراءه ؛ وعن ابن مسعود قال : ذنوب ابن آدم قتلت الجعل في جحره . ثم قال أي واللّه زمن غرق قوم نوح . وعنه قال : كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم ، ثم قرأ هذه الآية . وعن أنس نحوه . وعن أبي هريرة أنه سمع رجلا يقول : إن الظالم لا يضر إلا نفسه . قال أبو هريرة بلى واللّه إن الحبارى لتموت هزالا في وكرها من ظلم الظالم . وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى معلوم معين عنده تعالى وهو منتهى حياتهم وانقضاء أعمارهم أو أجل عذابهم ، وفي هذا التأخير حكمة بالغة ، منها الإعذار إليهم وارخاء العنان معهم ، ومنها حصول من سبق في علمه من أولادهم . فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ الذي سماه لهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ أي حقت عليهم كلمة اللّه سبحانه في ذلك الوقت من دون تقدم عليه ولا تأخر عنه والساعة المدة القليلة ، وقد تقدم تفسير هذا وتحقيقه . ثم ذكر نوعا آخر من جهلهم وحمقهم فقال : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ أي ينسبون إليه سبحانه ما يكرهون نسبته إلى أنفسهم من البنات والشريك في الرياسة وإهانة الرسل وهو تكرير لما تقدم لقصد التأكيد والتقرير أو لزيادة التوبيخ والتقريع ، قال الضحاك : أي يجعلون لي البنات ويكرهون ذلك لأنفسهم . ثم ذكر اللّه سبحانه نوعا آخر من قبائحهم فقال : وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ والذي تصفه ألسنتهم من الكذب هو قولهم : أَنَّ لَهُمُ الخصلة أو العاقبة الْحُسْنى قال الزجاج : يصفون أن لهم مع قبح قولهم من اللّه الجزاء الحسن أي الجنة كقوله وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى [ فصلت : 50 ] ، وقرىء

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في البيوع باب 49 ، ومسلم في الفتن حديث 8 ، بلفظ : « يبعثهم اللّه على نياتهم » .