صديق الحسيني القنوجي البخاري

45

فتح البيان في مقاصد القرآن

الكذب بضمتين على أنه صفة للألسن وهو جمع كذب فيكون المفعول على هذا أن لهم الحسنى ، قال مجاهد : قول كفار قريش لنا البنون وله البنات وعن قتادة نحوه . ثم رد اللّه سبحانه عليهم بقوله : لا جَرَمَ تركيب مزجي من لفظ لا ولفظ جرم ومعناه الفعل أي ثبت أو المصدر أي حقا أَنَّ لَهُمُ مكان ما جعلوه لأنفسهم من الحسنى النَّارَ الموقدة والعذاب الدائم وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ بفتح الراء تخفيفا أي مقدمون إلى النار . قال ابن الأعرابي وأبو عبيدة : أي متروكون منسيون في النار وبه قال مجاهد وعن سعيد بن جبير نحوه ، وبه قال الكسائي والفراء فيكون مشتقا من أفرطت فلانا خلفي إذا خلفته ونسيته . وقال قتادة والحسن : معجلون إليها مقدمون في دخولها من أفرطته أي قدمته في طلب الماء والفارط هو الذي يتقدم إلى الماء والفراط المتقدمون في طلبه والوراد المتأخرون ، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنا فرطكم على الحوض » « 1 » أي متقدمكم ، وقرىء مفرطون بكسر الراء وتخفيفها وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس ومعناه مسرفون في الذنوب والمعاصي يقال أفرط فلان على فلان إذا أربى عليه وقال له أكثر مما قال من الشر . وقرىء مفرطون بكسر الراء وتشديدها أي مضيعون أمر اللّه فهو من التفريط في الواجب . ثم بين سبحانه أن مثل صنيع قريش قد وقع من سائر الأمم فقال مسليا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما كان يناله من الغم بسبب جهالات القوم : تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ رسلا فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ الخبيثة من الكفر فكان شأنهم مع رسلهم التكذيب والمزين هو اللّه سبحانه والشيطان إنما له الوسوسة فقط فمن أراد اللّه شقاوته سلطه عليه حتى يقبل وسوسته فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ لفظ اليوم المعرف بأل إنما يستعمل حقيقة في الزمان الحاضر المقارن للتكلم كالآن ، وحينئذ فلفظ اليوم في الآية يحتمل أن يكون عبارة عن زمان الدنيا فيكون المعنى هو قرينهم في الدنيا . ويحتمل أن يكون عبارة عن يوم القيامة وما بعده فيكون للحال الآتية ويكون الوليّ بمعنى الناصر والمراد نفي الناصر عنهم على أبلغ الوجوه لأن الشيطان لا

--> ( 1 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في الرقاق باب 53 ، والفتن باب 1 ، ومسلم في الطهارة حديث 39 ، والإمارة حديث 10 ، والفضائل حديث 25 ، 26 ، 29 ، 32 ، 44 ، 45 ، وابن ماجة في الفتن باب 5 ، والزهد باب 36 ، والمناسك باب 76 ، وأحمد في المسند 1 / 257 ، 384 ، 402 ، 406 ، 407 ، 425 ، 439 ، 453 ، 455 ، 2 / 408 ، 3 / 18 ، 62 ، 166 ، 349 ، 4 / 313 ، 351 ، 5 / 41 ، 86 ، 88 ، 89 ، 233 ، 339 ، 393 ، 412 .