صديق الحسيني القنوجي البخاري

140

فتح البيان في مقاصد القرآن

حديدا وإنما المعنى أنهم قد أقروا بخالقهم وأنكروا البعث فقيل لهم استشعروا أن تكونوا ما شئتم فلو كنتم حجارة أو حديدا لبعثتم كما خلقتم أول مرة فليس المراد الأمر وإنما عبر فيه بمادة الكون لتعبيرهم بها في سؤالهم ، قلت وعلى هذا الوجه قررنا جواب الشبهة قبل هذا . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 51 إلى 54 ] أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً ( 51 ) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ( 52 ) وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً ( 53 ) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ( 54 ) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ أي يعظم عندكم مما هو أكبر من الحجارة والحديد مباينة للحياة فإنكم لمبعوثون لا محالة وقيل المراد به السماوات والأرض والجبال لعظمها في النفوس ، وقال جماعة من الصحابة والتابعين : المراد به الموت لأنه ليس شيء أكبر في نفس ابن آدم منه . والمعنى لو كنتم الموت لأماتكم اللّه ثم بعثكم ولا يخفى ما في هذا من البعد لأن معنى الآية الترقي من الحجارة إلى الحديد ثم من الحديد إلى ما هو أكبر في صدور القوم منه والموت نفسه ليس بشيء يعقل ويحسب حتى يقع الترقي من الحديد إليه . فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا إلى الحياة إذا كنا عظاما ورفاتا أو حجارة أو حديدا مع ما بين الحالتين من التفاوت قُلِ يعيدكم الَّذِي فَطَرَكُمْ خلقكم واخترعكم أَوَّلَ مَرَّةٍ أي عند ابتداء خلقكم من غير مثال سابق ولا صورة متقدمة فمن قدر على البدء والإنشاء قدر على الإعادة بل هي أهون . فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ أي يحركونها استهزاء ، يقال نغض رأسه ينغض نغضا ونغوضا إذا تحرك وانغض رأسه حركه كالمتعجب من الشيء و يَقُولُونَ استهزاء وسخرية مَتى هُوَ أي البعث والإعادة قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً أي هو قريب لأن عسى في كلام اللّه واجب الوقوع ومثله وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً [ الأحزاب : 63 ] وكل ما هو آت قريب . يَوْمَ يَدْعُوكُمْ الظرف منتصب بفعل مضمر أي أذكر أو بدل من قريبا أو التقدير يوم يدعوكم كان ما كان والدعاء النداء إلى المحشر بكلام يسمعه الخلائق وقيل هي الصيحة التي يسمعونها فتكون داعية لهم إلى الاجتماع في أرض المحشر وقيل إن المنادي جبريل وإن النافخ إسرافيل وصورة الدعاء والنداء أن يقول أيتها العظام البالية