صديق الحسيني القنوجي البخاري

128

فتح البيان في مقاصد القرآن

على القاتل إن شاء قتل وإن شاء عفا وإن شاء أخذ الدية قال ابن عباس : سلطانا بينة من اللّه أنزلها يطلبها ولي المقتول القود أو العقل . ثم لما بيّن إباحة القصاص لمن هو مستحق لدم المقتول أو ما هو عوض عن القصاص نهاه عن مجاوزة الحد فقال فَلا يُسْرِفْ أي لا يجاوز الولي إباحة اللّه له فِي الْقَتْلِ فيقتل بالواحد الاثنين أو جماعة أو يمثل بالقاتل أو يعذبه وقرأ الجمهور بالتحتية وقرىء بالفوقية فهو خطاب للقاتل الأولى ونهي له عن القتل أي فلا تسرف أيها القاتل المتعدي بالقتل بغير الحق فإن عليك القصاص مع ما عليك من عقوبة اللّه وسخطه ولعنته . وقال ابن جرير الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وللأمة من بعده أي لا تقتل يا محمد غير القاتل ولا تفعل ذلك الأئمة بعدك وفي قراءة أبيّ لا تسرفوا قال مجاهد : معنى لا يسرف لا يكثر ولا يقاتل إلا قاتل رحمه ، وعن زيد بن أسلم إن الناس في الجاهلية كانوا إذا قتل الرجل من القوم رجلا لم يرضوا بقتل قاتله حتى يقتلوا به رجلا شريفا وإذا كان قتيلهم شريفا لم يقتلوا قاتله وحده بل قتلوا معه غيره فوعظوا في ذلك بقول اللّه سبحانه فلا يسرف في القتل . ثم علّل النهي عن السرف فقال إِنَّهُ يعني ولي المقتول كانَ مَنْصُوراً أي مؤيدا معانا فإن اللّه سبحانه قد نصره بإثبات القصاص له أو الدية بما أبرزه من الحجج وأوضحه من الأدلة وأمر أهل الولايات بمعونته والقيام بحقه حتى يستوفيه ، ويجوز أن يكون الضمير راجعا إلى المقتول ظلما أي أن اللّه نصره بوليه يعني منصورا في الدنيا بإيجاب القود على قاتله وفي الآخرة بتكفير خطاياه وإيحاب النار لقاتله قيل وهذه الآية من أول ما نزل من القرآن في شأن القتل لأنها مكيّة كما تقدم . ولما ذكر سبحانه النهي عن إتلاف النفوس أتبعه بالنهي عن إتلاف الأموال وكان أهمها بالحفظ والرعاية مال اليتيم فقال وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ الخطاب لأولياء اليتيم والنهي عن قربانه مبالغة في النهي عن المباشرة وإتلافه ، قال قتادة : كانوا لا يخالطونهم في مال ولا مأكل ولا مركب حتى نزلت وإن تخالطوهم فإخوانكم . ثم بيّن سبحانه أن النهي عن قربانه ليس المراد منه النهي عن مباشرته فيما يصلحه ويفسده بل يجوز لولي اليتيم أن يفعل في مال اليتيم ما يصلحه وذلك يستلزم مباشرته فقال إِلَّا بِالَّتِي أي إلا بالخصلة التي هِيَ أَحْسَنُ من جميع الخصال وهي حفظه وطلب الربح فيه والسعي فيما يزيد به والانفاق عليه بالمعروف ثم ذكر غاية النهي عن قربان مال اليتيم فقال حَتَّى يَبْلُغَ أي لا تقربوه حتى يبلغ اليتيم أَشُدَّهُ فإذا بلغ أشده كان لكم أن تدفعوه إليه أو تتصرفوا فيه بإذنه لأن التصرف له حينئذ . والأشد مفرد بمعنى القوة ، وقيل جمع لا واحد له من لفظه ، وقيل جمع شدة