صديق الحسيني القنوجي البخاري

122

فتح البيان في مقاصد القرآن

فإنه كان غفورا للبادر التي بدرت منه كالفلتة والزلة تكون من الرجل إلى أبويه أو أحدهما وهو لا يضمر عقوقا ، ولا يريد بذلك بأسا ، قال سعيد بن المسيب هو العبد يتوب ثم يذنب ثم يتوب ثم يذنب . وقيل الأواب الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها ، وقال عبد بن عمير : هم الذين يذكرون ذنوبهم في الخلاء ثم يستغفرون اللّه ، وهذه الأقوال متقاربة ، قال ابن عباس الأوابين المطيعين المحسنين التوابين ، وقيل المسبحين وقيل المصلين قال عون العقيلي هم الذين يصلون صلاة الضحى ، وقيل من يصلي بين المغرب والعشاء ، والأول أولى . ثم ذكر سبحانه التوصية بغير الوالدين من الأقارب بعد التوصية بهما فقال وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ الخطاب إما لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تهييجا وإلهابا لغيره من الأمة أو لكل من هو صالح لذلك من المكلفين كما في قوله وَقَضى رَبُّكَ والأمر للوجوب عند أبي حنيفة فعنده يجب على الموسر مواساة أقاربه إذا كانوا محارم كالأخ والأخت وعند غيره للندب فلا يجب عند غيره إلا نفقة الأصول والفروع دون غيرهما من الأقارب . أقول المراد بذوي القربى أولو القرابة وحقهم هو صلة الرحم التي أمر اللّه بها والمودة والزيارة وحسن المعاشرة والمؤالفة على السراء والضراء ، وكرر الوصية فيها ، والخلاف بين أهل العلم في وجوب النفقة للقرابة لبعضهم كالوالدين على الأولاد والأولاد على الوالدين معروف ، والذي ينبغي الاعتماد عليه وجوب صلتهم بما تبلغ إليه القدرة وحسبما تقتضيه الحال . قال ابن عباس : أمره بأحق الحقوق وعلمه كيف يصنع إذا كان عنده وكيف يصنع إذا لم يكن عنده . وَ آت الْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ حقهما من الزكاة وهذا دليل على أن المراد بما يؤتى ذوي القربى من الحق هو تعهدهم بالمال ، وعن سفيان في الآية قال : هو أن يصل ذا القرابة ويطعم المسكين ويحسن إلى ابن السبيل ، وعن السدي قال : القربى قربى بني عبد المطلب وقرابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وأقول ليس في السياق ما يفيد هذا التخصيص ولا دل عليه دليل ، ومعنى النظم القرآني واضح إن كان الخطاب مع كل من يصلح له من الأمة لأن معناه أمر كل مكلف متمكن من صلة قرابته بأن يعطيهم حقهم وهو الصلة التي أمر اللّه بها ؛ وإن كان الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فإن كان على وجه التعريض لأمته فالأمر فيه كالأول وإن كان خطابا له من دون تعريض أمته أسوته فالأمر له صلّى اللّه عليه وسلّم بإيتاء ذي القربى حقه أمر لكل فرد من أفراد أمته ، والظاهر أن هذا الخطاب ليس خاصا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بدليل ما قبل الآية وهي قوله : وَقَضى رَبُّكَ وما بعدها وهي قوله :