صديق الحسيني القنوجي البخاري

123

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً هو تفريق المال كما يفرق البذر كيفما كان من غير تعمد لمواقعه وهو الإسراف المذموم لمجاوزته للحد المستحسن شرعا في الانفاق أو هو الانفاق في غير الحق وإن كان يسيرا . قال الشافعي : التبذير انفاق المال في غير حقه ، ولا تبذير في عمل الخير ، قال القرطبي : وهذا قول الجمهور ، قال أشهب عن مالك : التبذير هو أخذ المال من حقه ووضعه في غير حقه وهو الإسراف وهو حرام لقوله : إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ فإن هذه الجملة تعليل للنهي عن التبذير ، والمراد بالأخوة المماثلة التامة وتجنب مماثلة الشيطان ولو في خصلة واحدة من خصاله واجب فكيف فيما هو أعم من ذلك كما يدل عليه اطلاق المماثلة ، والإسراف في الانفاق ، من عمل الشيطان فإذا فعله أحد من بني آدم فقد أطاع الشيطان واقتدى به ، وهذا غاية المذمة لأنه لا شر من الشياطين ، والعرب تقول لكل من هو ملازم سنة قوم هو أخوهم . قال ابن مسعود : التبذير انفاق المال في غير حقه ، وعنه كنا أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم نتحدث أن التبذير النفقة في غير حقه ، وعن ابن عباس قال : هم الذين ينفقون المال في غير حقه ، وعن عليّ قال : ما أنفقت على نفسك وأهل بيتك في غير سرف ولا تبذير وما تصدقت فلك ، وما أنفقت رياء وسمعة فذلك حظ الشيطان . وقيل هو انفاق المال في العمارة على وجه السرف ، وقيل لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرا ، ولو أنفق درهما أو مدا في باطل كان مبذرا ، قيل إن بعضهم أنفق في خير فأكثر ، فقال له صاحبه لا خير في السرف ، فقال لا سرف في الخير ، ولا مانع من حمل الآية على الجميع والعموم أولى . وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ أي لنعم ربه كَفُوراً أي كثير الكفران جحود النعمة ، عظيم التمرد عن الحق ، لأنه مع كفره لا يعمل إلا شرا ، ولا يأمر إلا بعمل الشر ، ولا يوسوس إلا بما خير فيه ، وفي هذه الآية تسجيل على المبذرين بمماثلة الشياطين ، ثم التسجيل على جنس الشيطان بأنه كفور ، فاقتضى ذلك أن المبذر مماثل للشيطان ، وكل مماثل للشيطان له حكم الشيطان ، وكل شيطان كفور فالمبذر كذلك . قال الكرخي : وكذلك من رزقه اللّه جاها أو مالا فصرفه إلى غير مرضاة اللّه كان كفورا لنعمة اللّه لأنه موافق للشيطان في الصفة والفعل . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 28 إلى 32 ] وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً ( 28 ) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ( 29 ) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ( 30 ) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً ( 31 ) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً ( 32 )