صديق الحسيني القنوجي البخاري

106

فتح البيان في مقاصد القرآن

فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ أي عاثوا وترددوا يقال جاسوا وهاسوا وداسوا بمعنى ذكره ابن عزيز والقتيبي ، قال الزجاج : معناه طافوا هل بقي أحد لم يقتلوه قال : والجوس طلب الشيء باستقصاء ، قال الجوهري : الجوس مصدر قولك جاسوا خلال الديار أي تخللوها كما يجوس الرجل للأخبار أي يطلبها وكذا قال أبو عبيدة . وقال ابن جرير : ومعنى جاسوا طافوا بين الديار يطلبونهم ويقتلونهم ذاهبين وجائين ، وقال الفراء : معناه قتلوهم بين بيوتهم ، وقال قطرب : معناه نزلوا ، وقرأ ابن عباس فحاسوا بالحاء المهملة ، قال أبو زيد : الحوس والجوس والعوس والهوس الطوف بالليل ، وقيل الطوف بالليل هو الحوسان محركا كذا قال أبو عبيدة ، وقال ابن عباس : جاسوا مشوا ومعنى خلال الديار وسط الديار فهو على هذا اسم مفرد بمعنى الوسط ويؤيده قراءة الحسن خلل الديار ، والثاني جمع خلل بفتحتين كجبل وجمل وجمال قاله السمين . وَكانَ ذلك وَعْداً مَفْعُولًا أي كائنا لا محالة لازما لا خلف فيه ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ أي الدولة والغلبة والرجعة عَلَيْهِمْ وذلك عند توبتهم قيل وذلك حين قتل داود جالوت وقيل حين قتل بختنصر ووضع رددنا موضع ترد لأنه لم يقع وقت الإخبار لكن لتحققه عبر بالماضي والكرّة في الأصل مصدر كر يكر أي رجع ثم يعبر بها عن الدولة والقهر . وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ بعد نهب أموالكم وسبي أبنائكم حتى عاد أمركم كما كان وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً قال أبو عبيدة : النفير العدد من الرجال فالمعنى أكثر رجالا من عدوكم والنفير من ينفر مع الرجل من عشيرته يقال نفير ونافر مثل قدير وقادر ويجوز أن يكون النفير جمع نفر وهم المجتمعون للذهاب إلى العدو . إِنْ أَحْسَنْتُمْ أفعالكم وأقوالكم على الوجه المطلوب منكم أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ لأن ثواب ذلك عائد عليكم وَإِنْ أَسَأْتُمْ أعمالكم فأوقعتموها لا على الوجه المطلوب منكم فَلَها أي فعليها إساءتها وإنما عبر بها للمشاكلة قاله الكرماني قال ابن جرير : اللام بمعنى إلى أي فإليها ترجع الإساءة كقوله تعالى : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [ الزلزلة : 5 ] أي إليها وقيل المعنى فلها الجزاء والعقاب . وقال الحسين بن الفضل : فلها رب يغفر الإساءة ، وقال الكرخي : أجرى اللام على بابها ، قال أبو البقاء : وهو الصحيح لأن اللام للاختصاص والعامل مختص بجزاء عمله حسنة وسيئة انتهى . وهذا الخطاب قيل هو لبني إسرائيل الملابسين لما ذكر في هذه الآيات ؛ وقيل لبني إسرائيل الكائنين في زمن محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم ومعناه إعلامهم ما حل بسلفهم فليرتقبوا مثل ذلك ؛ وقيل هو خطاب لمشركي وقريش .