صديق الحسيني القنوجي البخاري
97
فتح البيان في مقاصد القرآن
والجزية وزنها فعلة من جزى يجزي إذا كافى عما أسدي إليه وكأنهم أعطوها جزاء عما منحوا من الأمن ، وقيل سميت جزية لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه ، وهي في الشرع ما يعطيه المعاهد على عهده وهو الخراج المضروب على رقابهم كل عام إذلالا وصغارا . قال أحمد بن تيمية رحمه اللّه : والأول أصح وهذا يرجع إلى أنها عقوبة أو أجرة فهي غاية للقتال ، والمراد بإعطائها التزامها بالعقد وإن لم يجئ وقت دفعها عَنْ يَدٍ في موضع النصب على الحال أي يعطوها أذلاء مقهورين عن يد متوانية غير ممتنعة ، هذا إن أريد به المعطي ، وإن أريد به الآخذ فالمراد عن يد قاهرة مستولية وقيل معناه يعطونها بأيديهم غير مستنيبين فيها أحدا ، وقيل المعنى نقدا غير نسيئة ، وقيل عن إنعام منكم عليهم لأن أخذها منهم نوع من أنواع الأنعام عليهم ، قاله في الكشاف ، وقيل معناه مذمومون . وفي زاده « اليد » قد تجعل كناية عن الانقياد أعطى فلان بيده إذا أسلم وانقاد لأن من أبى وامتنع لم يعط يده بخلاف المطيع المنقاد كأنه قيل قاتلهم حتى يعطوا الجزية عن طيب نفس وانقياد ، دون أن يكرهوا عليه فإذا احتيج في أخذها منهم إلى الإكراه لا يبقى عقد الذمة اه . وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي وأبو ثور إلى أنها لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب ، وقال الأوزاعي ومالك : إن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الكفرة كائنا من كان ويدخل في أهل الكتاب على القول الأول المجوس ، قال ابن المنذر لا أعلم خلافا في أن الجزية تأخذ منهم . قال علي بن أبي طالب : أنا أعلم الناس بالمجوس كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه . الحديث ولكن ضعفه جماعة من الحفاظ كما قاله ابن القيم ، ويدل له ما في البخاري أن عمر توقف في أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عنده عبد الرحمن بن عوف أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخذها من مجوس هجر . وفي الصحيحين من حديث عمرو بن عوف الأنصاري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان هو صلى اللّه عليه وسلم صالح أهل البحرين وأمرّ عليهم العلاء بن الحضرمي . وذكر أبو عبيدة في كتاب الأموال عن الزهري قال : قبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الجزية من أهل البحرين وكانوا مجوسا ، فالجزية تؤخذ من هذه الطوائف الثلاث اتفاقا ، فاليهود والنصارى تؤخذ منهم بنص القرآن ، والمجوس تأخذ منهم بنص السنة لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « سنوا بهم سنة أهل الكتاب » أخرجه البخاري . ثم اختلف أهل العلم في مقدار الجزية فقال عطاء : لا مقدار لها ، وإنما تؤخذ