صديق الحسيني القنوجي البخاري
98
فتح البيان في مقاصد القرآن
على ما صولحوا عليه ، وبه قال يحيى بن آدم وأبو عبيد وابن جرير إلا أنه قال : أقلها دينار وأكثرها لا حدّ له ، وقال الشافعي : دينار على الغني والفقير من الأحرار البالغين لا ينقص منه شيء ، وبه قال أبو ثور ، وقال الشافعي : وإن صولحوا على أكثر من دينار جاز ، وإذا زادوا وطابت بذلك أنفسهم قبل منهم . وقال مالك : إنها أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الورق الغني والفقير سواء ولو كان مجوسيا لا تزيد ولا تنقص ، وقال أبو حنيفة وأصحابه ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل : اثنا عشر وأربعة وعشرون وثمانية وأربعون ولا تجب على صبي ولا مجنون ولا امرأة ، وهو اتفاق . وفي كتابه صلى اللّه عليه وسلم لمعاذ إلى أهل اليمن أنه يأخذ من كل حالم دينارا فخص الحالم دون المرأة والصبي ، وقد روي في ذلك حالمة ، قال الأئمة من المحدثين : إن هذه الزيادة غير محفوظة ، ولأن عمر بن الخطاب لما فتح الأمصار لم يأخذ الجزية إلا من الرجال دون النساء وأقره الصحابة واستمروا عليه . وقال أبو محمد بن حزم رحمه اللّه : تلزم الجزية الأنثى لقوله تعالى : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ولا شك أن الدين لازم النساء كلزومه للرجال ، ولم يأت نص بالفرق بينهما في الجزية ، ثم ساق حديث معاذ بلفظ حالم وحالمة ، وأسنده إلى ابن جريج وساق حديثا مرسلا مثله ، ولا يخفى ضعف ما ذهب إليه . وأما العبد فإن كان سيده مسلما فلا جزية عليه بالاتفاق ، ومن اليهود السامرية وإنهم فرق كثيرة وقد فتح الصحابة الأمصار وأقروهم على تسليم الجزية وكذلك الأئمة والخلفاء بعدهم . وأما الصابئة فقال ابن القيم : إنهم أمة كثيرة وأكثرهم فلاسفة ولهم مقالات مشهورة ، ثم ذكر تؤخذ منهم الجزية فإنهم أحسن حالا من المجوس ، فأخذها من المجوس تنبيه على أخذها من الصابئة بالطريق الأولى ، فإن المجوس من أخبث الأمم دينا ومذهبا ، ثم ساق مذاهبهم . وأما بنو تغلب وهم فرقة انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية فهم من النصارى كانت لها شوكة وقوة ، وجاء الإسلام وهم كذلك وأنفوا من الجزية فضوعفت عليهم الصدقة عوضا عن الجزية ، فهذه الطوائف التي تؤخذ منها الجزية أو ما صولحوا عليه . ويهود خيبر وغيرهم داخلون في عموم الآية ، ولم يأت لهم مخصص ، وإنما لم يأخذها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم من يهود المدينة ولا من يهود خيبر لأنه أجلى يهود المدينة ، وقاتل من قاتل منهم قبل نزولها ، وأما أهل خيبر فإنه صالحهم قبل نزول فريضة الجزية ولم ينزل فرضها إلا في التاسعة من الهجرة .