صديق الحسيني القنوجي البخاري

96

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مما ثبت في كتبهم بأن اللّه حرم الشحوم فأذابوها وباعوها وأكلوا أثمانها وحرم عليهم أشياء كثيرة فأحلوها ، قال سعيد بن جبير في الآية : يعني الذين لا يصدقون بتوحيد اللّه وما حرم اللّه من الخمر والخنزير ، وقيل معناه لا يحرمون ما حرم اللّه في القرآن ولا ما حرم رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم في السنة ، والأول أولى وقيل لا يعلمون بما في التوراة والإنجيل بل حرفوهما وأتوا بأحكام من قبل أنفسهم وقلدوا أحبارهم ورهبانهم واتخذوهم أربابا من دون اللّه . وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ أي دين الإسلام الثابت الناسخ لسائر الأديان وقيل دين أهل الحق وهم المسلمون ، وقيل دين اللّه ، والمعنى واحد وفيه أن دينهم بعد بعثته صلى اللّه عليه وسلم قد صار دينا باطلا . ثم إنه تعالى لما وصل إليهم بهذه الصلات الأربع بينهم بقوله : مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ فكلمة من بيانية كما في قوله تعالى : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [ الحج : 30 ] وإنما أبهم أولا ثم بين ثانيا زيادة في تمكن العلم في قلب السامع فيعلم المأمور به علمين ، علما إجماليا ثم علما تفصيليا فيكون زيادة في تمكن الخبر عنده ، ولما في ذلك من تشويق النفس إلى البيان بعد الإبهام . فهذا بيان لاسم المبهم الموصول مع ما في حيزه وهم اليهود والنصارى أهل التوراة والإنجيل بالاتفاق ، ويدل له قوله تعالى : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [ المائدة : 68 ] فإذا أتى لفظ أهل الكتاب فالمراد به الفريقان وإذا قيل بنو إسرائيل فالمراد بهم اليهود وإذا قيل النصارى فهم الذي أنزل إليهم الإنجيل ، والمجوس ليسوا من أهل الكتاب لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « سنوا بهم سنة أهل الكتاب » « 1 » أخرجه البخاري من حديث عبد الرحمن بن عوف . ويدل له أيضا قوله تعالى : أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا [ الأنعام : 156 ] وهذا صريح في أنهم ليسوا منهم . قال أبو الوفاء بن عقيل في الآية : إن قوله قاتلوا أمر بالعقوبة ثم قال لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ فبين الذنب الذي يوجب العقوبة ثم قال : وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ فأكد الذنب الذي في جانب الاعتقاد ثم قال : وَلا يُحَرِّمُونَ وفيه زيادة للذنب في مخالفة الأعمال ثم قال : وَلا يَدِينُونَ وفيه إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف والمعاندة والأنفة عن الاستسلام ثم قال : مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ تأكيدا للحجة عليهم لأنهم كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ثم قال : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ فبين الغاية التي تمتد إليها العقوبة اه .

--> ( 1 ) أخرجه مالك في الزكاة حديث 42 .