صديق الحسيني القنوجي البخاري
95
فتح البيان في مقاصد القرآن
من أين نعيش ، فوعدهم اللّه أن يغنيهم وقال : فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ قال الضحاك : ففتح اللّه عليهم باب الحرب من أهل الذمة بقوله : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [ التوبة : 29 ] الآية . وقال عكرمة : أغناهم بإدرار المطر والنبات وخصب الأرض وأسلمت العرب فحملوا إلى مكة ما أغناهم اللّه به ، وقيل أغناهم بالفيء ، قال مقاتل : أسلم أهل جدة وصنعاء وجرش من اليمن وجلبوا الميرة الكثيرة إلى مكة فكفاهم اللّه ما كانوا يخافون ، وقال الضحاك وقتادة عوضهم اللّه منها الجزية فأغناهم بها . إِنْ شاءَ فائدة التقييد بالمشيئة التعليم للعباد بأن يقولوا ذلك في كل ما يتكلمون به مما له تعلق بالزمن المستقبل ، ولئلا يفتروا عن الدعاء والتضرع ويعلموا إن الغنى الموعود به يكون لبعض دون بعض ، وفي عام دون عام إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بأحوالكم حَكِيمٌ في إعطائه ومنعه ، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 29 ] قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ( 29 ) قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ فيه الأمر بقتال من جمع بين هذه الأوصاف الآتية ، ولما فرغ من الكلام على مشركي العرب بقوله : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ إلى هنا أخذ يتكلم على أهل الكتابين وهو نص في أن أهل الكتاب لا يؤمنون باللّه تعالى فاليهود كفروا لأنهم ما قدروا اللّه حق قدره ولا عرفوه بصفات كماله ، وفرقوا بين الإيمان باللّه ورسوله ، وغلوا في عزير فقالوا هو ابن اللّه ، والنصارى كفروا لأنهم غلوا في المسيح وقالوا هو ثالث ثلاثة . قال مجاهد : نزلت هذه الآية حين أمر محمد وأصحابه بقتال الروم فغزا بعد نزولها غزوة تبوك ، وقال الكلبي : نزلت في قريظة والنضير من اليهود فصالحهم فكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين . وَ نص اللّه تعالى في الآية بأنهم لا يؤمنون بِالْيَوْمِ الْآخِرِ فإن قلت إنهم قد قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى وإثبات الجنة والنار فرع إثبات اليوم الآخر . قلت : لما كان إثباتهم إياه بغير صفاته ودعوى كاذبة بأنهم أهل الجنة لا غير وإنهم يعذبون أياما معينة ، كان إثباته بهذه الصفة نفيا له فإنه إيمان باطل ، وإلا لآمنوا بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقيل إنهم يعتقدون بعثة الأرواح دون الأجسام ويعتقدون أن أهل الجنة لا يأكلون فيها ولا يشربون ولا ينكحون ، ومن اعتقد ذلك فليس إيمانه كإيمان المؤمنين وإن زعم أنه مؤمن .