صديق الحسيني القنوجي البخاري
94
فتح البيان في مقاصد القرآن
الباب . منها ما روي عن عمر بن الخطاب أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما » ، وأجلاهم عمر في خلافته وأجل لمن قدم منهم تاجرا ثلاثا ، وجزيرة العرب من أقصى عدن إلى ريف العراق في الطول ، وأما في العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام . والثالث : سائر بلاد الإسلام فيجوز للكافر أن يقيم فيها بعهد أو أمان وذمة لكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن مسلم لحاجة . بَعْدَ عامِهِمْ هذا فيه قولان أحدهما : إنه سنة تسع وهي التي حج فيها أبو بكر على الموسم وهو عام نزول السورة الثاني : إنه سنة عشر ، قاله قتادة . قال ابن العربي : وهو الصحيح الذي يعطيه مقتضى اللفظ . وإن من العجب أن يقال إنه سنة تسع وهو العام الذي وقع فيه الأذان ، ولو دخل غلام رجل داره يوما فقال له مولاه : لا تدخل هذه الدار بعد يومك لم يكن المراد اليوم الذي دخل فيه اه . ويجاب عنه بأن الذي يعطيه مقتضى اللفظ هو خلاف ما زعمه ، فإن الإشارة بقوله : بَعْدَ عامِهِمْ هذا إلى العام المذكور قبل اسم الإشارة وهو عام النداء ، وهكذا في المثال الذي ذكره ، المراد النهي عن دخولها بعد يوم الدخول الذي وقع فيه الخطاب ، والأمر ظاهر لا يخفى ، ولعله أراد تفسير ( بعد ) المضاف إلى عامهم ولا شك أنه عام عشر . وأما تفسير العام المشار إليه بهذا فلا شك ولا ريب أنه عام تسع ، وعلى هذا يحمل قول قتادة ، وقد استدل من قاله بأنه يجوز للمشركين دخول المسجد الحرام وغيره من المساجد بهذا القيد ، أعني قوله : بَعْدَ عامِهِمْ هذا قائلا : إن النهي مختص بوقت الحج والعمرة ، فهم ممنوعون عن الحج والعمرة فقط ، لا عن مطلق الدخول ، ويجاب عنه بأن ظاهر النهي عن القربان بعد هذا العام يفيد المنع من القربان في كل وقت من الأوقات الكائنة بعده ، وتخصيص بعضها بالجواز يحتاج إلى مخصص . وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً بالفتح الفقر ، يقال عال الرجل يعيل إذا افتقر ، وقرأ علقمة وغيره عائلة ، وهو مصدر كالقائلة ، والعافية والعاقبة ، وقيل معناه خصلة شاقة ، يقال عالني الأمر يعولني أي شق عليّ واشتد . وحكى ابن جرير الطبري إنه يقال عال يعول إذا افتقر ، وعيال الرجل من يعولهم ، وواحد العيال عيل كجيد والجمع عيائل كجيائد ، وأعال الرجل كثرت عياله فهو معيل ، والمرأة معيلة قال الأخفش : أي صار ذا عيال . وكان المسلمون لما منعوا المشركين من الموسم وهم كانوا يجلبون إليه الأطعمة والتجارات قذف في قلوبهم الشيطان الخوف من الفقر بانقطاع تجارتهم عنهم وقالوا