صديق الحسيني القنوجي البخاري

93

فتح البيان في مقاصد القرآن

سبحانه أحل طعامهم ، وثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في ذلك من فعله وقوله ما يفيد عدم نجاسة ذواتهم ، فأكل في آنيتهم وشرب منها وتوضأ فيها وأنزلهم في مسجده وهو الحق ، وعن جابر بن عبد اللّه في هذه الآية قال : إلا أن يكون عبدا أو أحدا من أهل الذمة . فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ الفاء للتفريع فعدم قربانهم للمسجد الحرام متفرع على نجاستهم ، وإنما نهوا عن الاقتراب للمبالغة في المنع من دخول الحرم ، ونهي المشركين أن يقربوا راجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم من ذلك ، قاله أبو السعود فهو من باب قولهم لا أرينك ههنا ، والمراد بالمسجد الحرام جميع الحرم ، روي ذلك عن عطاء فيمنعون عنده من جميع الحرم ، ويؤيد هذا قوله تعالى : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ الإسراء : 1 ] أراد به الحرم لأنه أسرى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من بيت أم هانىء . وذهب غيره من أهل العلم إلى أن المراد المسجد الحرام نفسه فلا يمنع المشرك من دخول سائر الحرم ، وقد اختلف أهل العلم في دخول المشرك غير المسجد الحرام من المساجد ، فذهب أهل المدينة إلى منع كل مشرك عن كل مسجد ، وقال الشافعي : الآية عامة في سائر المشركين خاصة في المسجد الحرام فلا يمنعون من دخول غيره من المساجد . قال ابن العربي وهذا جمود منه على الظاهر لأن قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة ، ويجاب عنه بأن هذا القياس مردود بربطه صلى اللّه عليه وسلم لثمامة بن أثال في مسجده وإنزال وفد ثقيف فيه . وروي عن أبي حنيفة مثل قول الشافعي ، وزاد أنه يجوز دخول الذمي سائر المساجد من غير حاجة ، وقيده الشافعي بالحاجة ، وقال قتادة إنه يجوز ذلك للذمي دون المشرك . والحاصل أن بلاد الإسلام في حق الكفار ثلاثة أنواع أحدها : الحرم فلا يجوز لكافر أن يدخله بحال ، ذميا كان أو مستأمنا لظاهر هذه الآية ، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك : وإذا جاء رسول من دار الكفر إلى الإمام والإمام في الحرم لا يأذن له في دخول الحرم ، بل يخرج إليه الإمام أو يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم . والثاني : الحجاز وحدّه ما بين يمامة واليمن ونجد والمدينة الشريفة ، قيل نصفها تهامي ونصفها حجازي ، وقيل كلها حجازي ، وقال ابن الكلبي : حد الحجاز ما بين جبل طيىء وطريق العراق . قال الحربي : وتبوك من الحجاز فيجوز للكفار دخول أرض الحجاز بالإذن ولكن لا يقيمون فيها أكثر من مقام المسافر وهو ثلاثة أيام لأحاديث صحيحة في هذا