صديق الحسيني القنوجي البخاري

79

فتح البيان في مقاصد القرآن

يَظْهَرُوا والثاني وقع خبرا عن تقبيح حالهم وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ أي المجاوزون للحلال إلى الحرام بنقض العهد أو المبالغون في الشر والتمرد إلى الغاية القصوى . فَإِنْ تابُوا عن الشرك وعن نقض العهد إلى الوفاء به ، قال قتادة : يقول إن تركوا اللات والعزى وشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ أي التزموا أحكام الإسلام المفروضة فَإِخْوانُكُمْ أي فهم إخوانكم فِي الدِّينِ أي في دين الإسلام لهم ما لكم وعليهم ما عليكم ، وكرره لاختلاف جزاء الشرط إذ جزاء الشرط في الأول تخلية سبيلهم في الدنيا ، وفي الثاني أخوتهم لنا في الدين ، وهي ليست عين تخليتهم بل سببها . وَنُفَصِّلُ الْآياتِ أي نبينها ونوضحها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بما فيها من الأحكام ويفهمونه ، وخص أهل العلم لأنهم المنتفعون بها ، والمراد بالآيات ما مر من الآيات المتعلقة بأحوال المشركين على اختلاف أنواعهم ، وعن ابن عباس قال : حرمت هذه الآية قتال أو دماء أهل الصلاة ، وقال ابن مسعود : أمرتم بالصلاة والزكاة فمن لم يزك فلا صلاة له . وقال ابن زيد : افترضت الصلاة والزكاة جميعا لم يفرق بينهما ، وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة وقال يرحم اللّه أبا بكر ما كان أفقهه ، يريد ما قاله في حق من منع الزكاة واللّه لا أفرق بين شيئين تجمع اللّه بينهما ، يعني الصلاة والزكاة . وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مقابل قوله : فَإِنْ تابُوا والنكث النقض وأصله نقض الخيط بعد إبرامه ثم استعمل في كل نقض ومنه نقض الأيمان والعهود على طريق الاستعارة مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ أي من بعد أن عاهدوهم والمعنى أن الكفار إن نكثوا العهود التي عاهدوا بها المسلمين ووثقوا لهم بها . وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ أي وضموا إلى ذلك الطعن في دين الإسلام والقدح فيه ، وأظهروا ما في ضمائرهم من الشر ، وأخرجوه من القول إلى الفعل حسبما ينبئ عنه قوله تعالى : وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا [ التوبة : 8 ] الآية وثبتوا على ما هم عليه من النكث لا إنهم ارتدوا بعد الإيمان كما قيل ، وعطف طعنوا على ما قبله مع إن نقض العهد كاف في إباحة القتل لزيادة تحريض المؤمنين على قتالهم ، وقيل عطف تفسير . فَقاتِلُوا أي فقد وجب على المسلمين قتالهم أَئِمَّةَ الْكُفْرِ بهمزتين وبإبدال الثانية ياء صريحة وفيه وضع الظاهر موضع المضمر ، وهي جمع إمام ، والمراد صناديد المشركين وأهل الرياسة فيهم على العموم ، وعن قتادة قال هم أبو سفيان بن حرب وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام وسهيل بن عمرو ، وهم الذين نكثوا عهد اللّه وهموا بإخراج الرسول من مكة ، وعن مالك بن أنس مثله ، وقال ابن