صديق الحسيني القنوجي البخاري
76
فتح البيان في مقاصد القرآن
وهو دار قومه لينظر في أمره ويعرف ما له من الثواب إن آمن ، وما عليه من العقاب إن أصر على الشرك ، ثم بعد أن تبلغه مأمنه قاتله من غير عذر ولا خيانة فقد خرج من جوارك ورجع إلى ما كان عليه من إباحة دمه ووجوب قتله حيث يوجد . عن سعيد بن أبي عروبة قال : كان الرجل يجيء إذا سمع كتاب اللّه وأقر به وأسلم فذاك الذي دعي إليه ، وإن أنكر ولم يقر به رد مأمنه ثم نسخ ذلك فقال : وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [ التوبة : 36 ] وعن ابن زيد قال : إن لم يوافقه ما يقص عليه ويخبر به فأبلغه مأمنه ، وهذا ليس بمنسوخ ، قال الحسن : هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة . ذلِكَ أي الأمر بالإجارة وإبلاغ المأمن بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ما الإيمان وما حقيقة ما تدعوهم إليه بسبب فقدانهم العلم النافع المميز بين الخير والشر في الحال والمآل ، فلا بد لهم من أمان بقدر زمان يسمعون فيه القرآن ويتدبرون . كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ الاستفهام هنا للتعجب المتضمن للإنكار ، ولهذا حسن بعده إِلَّا والمراد بالمشركين الناكثون لأن البراءة هي في شأنهم عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ يأمنون به من عذابه وَعِنْدَ رَسُولِهِ وقيل معنى الآية محال أن يثبت لهؤلاء عهد وهم أضداد لكم مضمرون للغدر ، فلا تطمعوا في ذلك ولا تحدثوا به أنفسكم ، والمعنى ليس لمن لم يف بعهد أن يفي اللّه ورسوله له بالعهد . ثم استدرك فقال : إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ أي لكن الذين عاهدتم ولم ينقضوا ولم ينكثوا فلا تقاتلوهم ، وقيل الاستثناء متصل ، وفيه احتمالان . أحدهما : إنه منصوب على أصل الاستثناء من المشركين . والثاني : إنه مجرور على البدل منهم . عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي عند قربه يوم الحديبية ، قاله قتادة ، والمراد به جميع الحرم كما هي عادته في القرآن إلا ما استثنى فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ أي فما داموا مستقيمين لكم على العهد الذي بينكم وبينهم ولم ينقضوه ، وفي فَمَا وجهان أحدهما إنها مصدرية زمانية والثاني إنها شرطية فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ على الوفاء به ، قيل هم بنو بكر ، وقيل بنو كنانة وبنو ضمرة وقال ابن عباس : هم قريش ، وعند ابن زيد نحوه ، وقال السدي : هم بنو جذيمة ، وقال مجاهد : هم أهل العهد من خزاعة . إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ إشارة إلى أن الوفاة بالعهد والاستقامة عليه من أعمال المتقين ، فيكون تعليلا للأمر بالاستقامة ، وقد استقام صلى اللّه عليه وسلم على عهدهم حتى نقضوا بإعانة بني بكر على خزاعة .