صديق الحسيني القنوجي البخاري

75

فتح البيان في مقاصد القرآن

وهذه الآية نسخت كل آية فيها ذكر الإعراض عن المشركين والصبر على أذاهم . وقال الضحاك وعطاء والسدي : هي منسوخة بقوله : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [ محمد : 4 ] وإن الأسير لا يقتل صبرا بل يمنّ عليه أو يفادى ، وقال مجاهد وقتادة : بل هي ناسخة لقوله : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً وإنه لا يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل ، وقال ابن زيد : الآيتان محكمتان ، قال القرطبي : وهو الصحيح لأن المن والقتل والفداء لم يزل من حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيهم من أول حرب حاربهم وهو يوم بدر ، قال الرازي : كلتا الآيتين متوافقتان وكلتاهما تدلان على أنه لا بد من تقديم الأثخان ثم بعده أخذ الفداء اه . فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ أي تابوا عن الشرك الذي هو سبب القتل وحققوا التوبة بفعل ما هو من أعظم أركان الإسلام وهو إقامة الصلاة وهذا الركن اكتفى به عن ذكر ما يتعلق بالأبدان من العبادات لكونه رأسها ، واكتفى بالركن الآخر المالي ، وهو إيتاء الزكاة عن كل ما يتعلق بالأموال من العبادات لأنه أعظمها . فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ أي اتركوهم وشأنهم فلا تأسروهم ولا تحصروهم ولا تقتلوهم ولا تمنعوهم من الدخول إلى مكة والتصرف في بلادهم ولا تتعرضوا لهم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لهم رَحِيمٌ بهم . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 6 إلى 7 ] وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ( 6 ) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 7 ) وَإِنْ أَحَدٌ مرتفع بفعل شرط مضمر يفسره الظاهر لا بالابتداء لأن إِنْ لا تدخل إلا على الفعل مِنَ الْمُشْرِكِينَ الناقضين للعهد الذين أمرت بالتعرض لهم في قوله فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 5 ] . اسْتَجارَكَ استأمنك من القتل فَأَجِرْهُ يقال استجرت فلانا أي طلبت أن يكون جارا أي محاميا ومحافظا من أن يظلمني ظالم أو يتعرض لي متعرض ، وفي القاموس جار واستجار طلب أن يجار وأجاره أنقذه وأعاده ، وفي المصباح استجاره طلب منه أن يحفظه فأجار والمعنى أمنه . حَتَّى يصح أن تكون للغاية وللتعليل يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ منك ويتدبره حق تدبره ويقف على حقيقة ما تدعوا إليه ، ويتحقق إنه ليس من كلام الخلق ، والاقتصار على ذكر السماع لعدم الحاجة إلى شيء آخر في الفهم لكونهم من أهل الفصاحة . ثُمَّ إن أراد الانصراف ولم يسلم أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ أي إلى الدار التي يأمن فيها