صديق الحسيني القنوجي البخاري
603
فتح البيان في مقاصد القرآن
الكتاب وهم المقتسمون قاله الزمخشري ، والأولى أن يتعلق بقوله : إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ لأنه في قوة الأمر بالانذار . وقد اختلف في المقتسمين من هم على أقوال سبعة ، فقال مقاتل والفراء : هم ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم فاقتسموا أعقاب مكة وأنقابها وفجاجها ، يقولون لمن دخل مكة لا تغتروا بهذا الخارج فينا فإنه مجنون ، وربما قالوا ساحر ، وربما قالوا شاعر ، وربما قالوا كاهن ، فقيل لهم المقتسمون لأنهم اقتسموا هذه الطرق . وقيل إنهم قوم من قريش اقتسموا كتاب اللّه فجعلوا بعضه شعرا وبعضه سحرا وبعضه كهانة وبعضه أساطير الأولين ، قاله قتادة ، وقيل هم أهل الكتاب وسموا مقتسمين لأنهم كانوا يقسمون القرآن استهزاء فيقول بعضهم هذه السورة لي وهذه لك ، روي هذا عن ابن عباس ، وقيل إنهم اقتسموا كتابهم وفرقوه وبددوه وحرفوه . وقيل المراد قوم صالح تقاسموا على قتله فسموا مقتسمين كما قال تعالى تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ [ النمل : 49 ] . قلت : وفي هذا الوجه قرب من حيث المقاسمة وبعد من حيث وصفهم بجعلهم القرآن عضين ، وأما الأوجه الآخرة فهي مستقيمة ، وقيل تقاسموا أيمانا تحالفوا عليها قاله الأخفش ، وقيل إنهم العاص بن وائل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام وأبو البختري والنضر بن الحرث وأمية بن خلف وشيبة بن الحجاج ؛ ذكره الماوردي . الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ جمع عضة وأصلها عضوة فعلة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء وأجزاء فيكون المعنى على هذا : الذين جعلوه أجزاء متفرقة بعضه شعر وبعضه سحر وبعضه كهانة ونحو ذلك ، وقيل مأخوذ من عضهته إذا بهته فالمحذوف منه الهاء لا الواو ، وجمعت العضة على المعنيين جمع العقلاء ، وقيل معنى عضين إيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض ، وقيل العضة والعضين في لغة قريش الحسر وهم يقولون للساحر عاضه وللساحرة عاضهة . وفي الحديث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعن العاضهة والمستعضهة « 1 » وفسر بالساحرة والمستسحرة ، والمعنى أنهم أكثروا البهت على القرآن وسموه سحرا وكذبا وأساطير الأولين ، ونظير عضة في النقصان شفة والأصل شفهة وكذلك سنة أصلها سنهة ، قال الكسائي : العضة الكذب والبهتان ، وجمعها عضون وقال الفراء : إنه مأخوذ من العضاة وهي شجرة تؤذي وتجرح كالشوك ، ويجوز أن يراد بالقرآن التوراة والإنجيل لكونهما
--> ( 1 ) رواه ابن الأثير الجزري في النهاية في غريب الحديث 3 / 255 .