صديق الحسيني القنوجي البخاري

604

فتح البيان في مقاصد القرآن

مما يقرأ ويرد بالمقتسمين هم اليهود والنصارى ، أي جعلوهما أجزاء متفرقة وهو أحد الأقوال المتقدمة . [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 92 إلى 99 ] فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 93 ) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 94 ) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ( 95 ) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 96 ) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ( 97 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 98 ) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( 99 ) فَوَ رَبِّكَ أقسم اللّه سبحانه بنفسه الكريمة وربوبيته العظيمة لَنَسْئَلَنَّهُمْ أي هؤلاء الكفرة أَجْمَعِينَ يوم القيامة سؤال توبيخ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا من الأعمال التي يحاسبون عليها ويسألون عنها ، وقيل إن المراد سؤالهم عن كلمة التوحيد . وقد أخرج الترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أنس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في الآية قال عن قول لا إله إلا اللّه ، وروي عن أنس موقوفا ، وعن ابن عمر مثله ، والعموم يفيد ما هو أوسع من ذلك . وقيل إن المسؤولين ههنا هم جميع المؤمنين والعصاة والكفار ، ويدل عليه قوله : ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [ التكاثر : 8 ] وقوله : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [ الصافات : 24 ] وقوله : إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ [ الغاشية : 25 ، 26 ] ويمكن أن يقال إن قصر هذا السؤال على المذكورين في السياق وصرف العموم إليهم لا ينافي سؤال غيرهم . فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ قال الزجاج : يقول أظهر ما تؤمر به من الشرائع أخذا من الصديع وهو الصبح انتهى . وأصل الصدع الفرق والشق يقال صدعته فانصدع أي انشق وتصدع القوم أي تفرقوا ، ومنه يومئذ يصدعون أي يتفرقون ، قال الفراء : أراد فاصدع بالأمر أي أظهر دينك ، ف بِما مع الفعل على هذا بمنزلة المصدر ، وقال ابن الأعرابي معناه اقصد ، وقيل فرق جمعهم وكلمتهم بأن تدعوهم إلى التوحيد فإنهم يتفرقون ، والأولى أن الصدع الاظهار كما قاله الزجاج والفراء وغيرهما . قال الواحدي : قال المفسرون أي اجهر بالأمر أي بأمرك بعد إظهار الدعوة وما زال النبي صلى اللّه عليه وسلم مستخفيا حتى نزلت هذه الآية فخرج هو وأصحابه وقال ابن عباس هذا أمر من اللّه لنبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم بتبليغ رسالته قومه وجميع من أرسل إليه ، واصدع بمعنى أمضه وأعلن . ثم أمره اللّه سبحانه بعد أمره بالصدع بالإعراض وعدم الالتفات إلى المشركين فقال : وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ أي لا تبال بهم ولا تلتفت إليهم إذا لاموك على إظهار الدعوة .