صديق الحسيني القنوجي البخاري
602
فتح البيان في مقاصد القرآن
وعن سفيان بن عيينة قال : من أعطي القرآن فمد عينيه إلى شيء مما صغر القرآن فقد خالف القرآن ألم تسمع قوله : وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي إلى قوله : وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى [ طه : 131 ] وقد فسر ابن عيينة أيضا الحديث الصحيح « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » « 1 » فقال إن المعنى لم يستغن به . ثم لما نهاه عن الالتفات إلى أموالهم وأمتعتهم نهاه عن الالتفات إليهم فقال : وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ حيث لم يؤمنوا وصمموا على الكفر والعناد . وقيل المعنى لا تحزن على ما متعوا به في الدنيا وفاتك من مشاركتهم فيها فإن لك الآخرة ؛ والأول أولى . روى البغوي بسنده عن أبي هريرة قال ؛ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تغبطن فاجرا بنعمته فإنك لا تدري ما هو لاق بعد موته إن له عند اللّه قاتلا لا يموت ، قيل وما هو ؟ قال النار » . وعنه عند مسلم مرفوعا « انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن تزدروا نعمة اللّه عليكم » « 2 » قال عوف : كنت أصحب الأغنياء فما كان أحدا أكثر هما مني ، كنت أرى دابة خيرا من دابتي وثوبا خيرا من ثوبي ، فلما سمعت هذا الحديث صحبت الفقراء فاسترحت . ثم لما نهاه عن أن يمد عينيه إلى أموال الكفار وأن يحزن عليهم وكان ذلك يستلزم التهاون بهم وبما معهم أمره أن يتواضع للمؤمنين فقال : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ خفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب ، ومنه قوله سبحانه : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ [ الإسراء : 24 ] وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إلى نفسه بسط جناحه ثم قبضه على الفرخ ، فجعل ذلك وصفا لتواضع الإنسان لأتباعه ، ويقال فلان خافض الجناح أي وقور ساكن ، والجناحان من ابن آدم جانباه ، ومنه واضمم يدك إلى جناحك . وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ أي المنذر المظهر لقومه ما يصيبهم من عذاب اللّه كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ عذابا ، أي إني أنا النذير لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين الذي أنزلناه عليهم كقوله تعالى : أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [ فصلت : 13 ] وقيل إن الكاف زائدة ، وقيل متعلق بمحذوف والتقدير أنزلنا إليك إنزالا مثل ما أنزلنا . قاله الكرخي . وقيل هو متعلق بقوله : وَلَقَدْ آتَيْناكَ أي أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في التوحيد ، باب 44 ، وأبو داود في الوتر باب 20 ، والدارمي في الصلاة باب 171 ، وفضائل القرآن باب 34 ، وأحمد في المسند 1 / 172 ، 175 ، 179 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الزهد والرقائق ، حديث 9 .