صديق الحسيني القنوجي البخاري

597

فتح البيان في مقاصد القرآن

يعتبرون بما يشاهدونه من الآثار ويعرفون أن ذلك إنما كان لانتقام اللّه من الجهال لأجل مخالفتهم ، وأما الذين لا يؤمنون فيحملونه على حوادث العالم وحصول القرانات الكوكبية والاتصالات الفلكية . وجمع الآيات أولا باعتبار تعدد ما قص من حديث لوط وضيف إبراهيم وتعرض قوم لوط لهم وما كان من اهلاكهم وقلب المدائن على من فيها وأمطار الحجارة على من غاب عنها ، وحدها ثانيا باعتبار وحدة قرية قوم لوط المشار إليها بقوله : وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ فلا يرد كيف جمع الآية أولا ووحدها ثانيا والقصة واحدة . وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ شروع في قصة شعيب وذكرت ههنا مختصرة وسيأتي بسطها في سورة الشعراء ، والأيكة الغيضة وهي جماع الشجر ومجمع الشيء والجمع الأيك ، وفي الأصل اسم للشجر الملتف ، والمراد بها هنا البقعة التي فيها شجر مزدحم ، ففي الكلام مجاز من اطلاق الحال على المحل ، ويروى أن شجرهم كان دوما وهو المقل . فالمعنى وإن كان أصحاب الشجر المجتمع وأرباب بقعة الأشجار باعتبار إقامتهم فيها وملازمتهم لها لَظالِمِينَ بتكذيبهم شعيبا ، واقتصر اللّه سبحانه هنا على وصفهم بالظلم ، وقد فصل ذلك الظلم فيما سبق ، واللام فيه للتأكيد وقيل الأيكة اسم القرية التي كانوا فيها ، قال أبو عبيدة : أيكة وليكة مدينتهم كمكة وبكة ، وأصحابها هم قوم شعيب ، وقد تقدم خبرهم . وقد أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمرو قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إن مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث اللّه إليهما شعيبا » ، وعن ابن عباس قال : « أصحاب الأيكة هم قوم شعيب » والأيكة ذات آجام وشجر كانوا فيها . [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 79 إلى 83 ] فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ ( 79 ) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ( 80 ) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ( 81 ) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ( 82 ) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ( 83 ) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ أي أهلكناهم بالعذاب وذلك أن اللّه سلط عليهم شدة الحر سبعة أيام حتى أخذ بأنفسهم وقربوا من الهلاك فبعث اللّه سبحانه لهم سحابة كالظلة فالتجؤوا إليها واجتمعوا تحتها للتظلل يلتمسون الروح ، فبعث نارا فأحرقتهم جميعا . وَإِنَّهُما الضمير يرجع إلى مدينة قوم لوط ومكان أصحاب الأيكة أي وإن المكانين لَبِإِمامٍ مُبِينٍ أي لبطريق واضح ظاهر ، قاله ابن عباس ، وقيل يعود على الخبرين خبر إهلاك قوم لوط وخبر إهلاك قوم شعيب ، قيل يعود على أصحاب الأيكة