صديق الحسيني القنوجي البخاري
598
فتح البيان في مقاصد القرآن
وأصحاب مدين لأنه مرسل إليهما فذكر أحدهما مشعر بالآخر وأرجح الأقوال هو الأول . والإمام اسم لما يؤتم به ومن جملة ذلك الطريق التي تسلك ، قال الفراء والزجاج ، سمي الطريق إماما لأنه يؤتم به ويتبع ، وقال ابن قتيبة : لأن المسافر يأتم به حتى يصل إلى الموضع الذي يريده ، وقيل الضمير للأيكة ، ومدين لأن شعيبا كان ينسب إليهما . ثم إن اللّه سبحانه ختم القصص بقصة ثمود فقال : وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ قال قتادة : هم أصحاب الوادي وكانوا ثمود قوم صالح ، والحجر اسم لديار ثمود قاله الأزهري وهي ما بين مكة وتبوك ، وقال ابن جرير : هي أرض بين الحجاز والشام وآثارها موجودة باقية يمر عليها ركب الشام إلى الحجاز وبالعكس . وإنما قال اللّه سبحانه الْمُرْسَلِينَ ولم يرسل إليهم إلا صالحا لأن من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الباقين لكونهم متفقين في الدعوة إلى اللّه ، وقيل كذبوا صالحا ومن تقدمه من الأنبياء ، وقيل كذبوا صالحا ومن معه من المؤمنين . وَآتَيْناهُمْ آياتِنا المنزلة على نبيهم ومن جملتها الناقة فإن فيها آيات جمة كخروجها من الصخرة ودنوّ نتاجها عند خروجها وعظمها وكثرة لبنها وإنما أضاف الآيات إليهم وإن كانت لصالح لأنه مرسل إليهم بهذه الآيات فَكانُوا عَنْها أي عن الآيات مُعْرِضِينَ أي غير معتبرين بها ولا ملتفتين إليها بل تاركين لها ، ولهذا عقروا الناقة وخالفوا ما أمرهم به نبيهم ، قال الكرخي : وذلك يدل على أن النظر والاستدلال واجب وإن التقليد مذموم . وَكانُوا يَنْحِتُونَ النحت في كلام العرب البري والنجر ، نحته ينحته بالكسر نحتا أي براه وفي التنزيل أتعبدون ما تنحتون أي تنجرون وكانوا يتخذون لأنفسهم مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً بضم الباء وكسرها سبعيتان أي يخرقونها في الجبال آمِنِينَ أي حال كونهم آمنين من الخراب ونقب اللصوص لها لشدة إحكامها أو من أن يقع عليهم الجبل أو السقف ، قاله الفراء ، وقيل آمنين من الموت وقيل من العذاب ركونا منهم على قوتها ووثاقتها . وقال بعضهم المراد أنهم يتخذون بيوتا في الجبال بنقرها وقطع الصخر منها بالمعاويل حتى تصير مساكن من غير بنيان . فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ أي العذاب وهو الرجفة أو الزلزلة الشديدة من الأرض مُصْبِحِينَ أي داخلين في وقت الصبح ، وقد تقدم ذكر الصيحة في الأعراف وفي هود وتقدم أيضا قريبا . [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 84 إلى 91 ] فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 84 ) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ( 85 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ( 86 ) وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ( 87 ) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 88 ) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ( 89 ) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ( 90 ) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ( 91 )