صديق الحسيني القنوجي البخاري

581

فتح البيان في مقاصد القرآن

سجدوا ، ثم عند هذا بقي احتمال وهو أنهم هل سجدوا دفعة واحدة أو سجد كل واحد في وقت ؟ فلما قال : أَجْمَعُونَ ظهر أن الكل سجدوا دفعة واحدة ، وهو ايضاح لما سبق ، وقيل قوله أجمعون توكيد بعد توكيد ، ورجح هذا الزجاج . قال النيسابوري : وذلك لأن أجمع معرفة فلا يقع حالا ، ولو صح أن يكون حالا لكان منتصبا ، قال الكرخي : فيه تأكيدان لزيادة تمكين المعنى وتقريره في الذهن ولا يكون تحصيلا للحاصل ؛ لأن نسبة أجمعون إلى كلهم كنسبة كلهم إلى أصل الجملة ، أو أجمعون يفيد معنى الاجتماع . وقيل هما تأكيدان للمبالغة وزيادة الاعتناء . ثم استثنى إبليس من الملائكة فقال : إِلَّا إِبْلِيسَ قيل هذا الاستثناء متصل لكونه كان من جنس الملائكة ولكنه أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ استكبارا واستعظاما لنفسه وحسدا لآدم فحقت عليه كلمة اللّه وقيل إنه لم يكن من الملائكة ولكنه كان معهم وبينهم فغلب اسم الملائكة عليه وأمر بما أمروا به فكان الاستثناء بهذا الاعتبار متصلا . زاد أبو السعود إما لأنه كان جنيا مفردا مغمورا بألوف من الملائكة فعد منهم تغليبا ، وإما لأن من الملائكة جنسا يتوالدون وهو منهم ، قيل إن الاستثناء منقطع منفصل بناء على عدم كونه منهم وعدم تغليبهم عليه ، أي ولكن إبليس أبى من السجدة ، وقد تقدم الكلام في هذا في سورة البقرة . وهذه الجملة على الأول استئناف مبين لكيفية عدم السجود المفهوم من الاستثناء لأن مطلق عدم السجود قد يكون مع التردد ، فبيّن سبحانه أنه كان على وجه الإباء والاستكبار . [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 32 إلى 42 ] قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ( 32 ) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 33 ) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( 34 ) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ ( 35 ) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 36 ) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 37 ) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ( 38 ) قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 39 ) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 40 ) قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ( 41 ) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ( 42 ) قالَ يا إِبْلِيسُ مستأنفة أيضا ، وهذا الخطاب له ليس للتشريف والتكريم بل على سبيل الإهانة والإذلال والتقريع والتوبيخ ، وظاهره يقتضي أن اللّه تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة ، لأنه قال في الجواب : لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ فقوله : خَلَقْتَهُ خطاب الحضور لا خطاب الغيبة ، فقول بعض المتكلمين أنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس على لسان بعض رسله ضعيف .