صديق الحسيني القنوجي البخاري

582

فتح البيان في مقاصد القرآن

قيل معنى ما لَكَ أيّ غرض لك وأي سبب حملك على أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ لآدم مع الملائكة ، وهم في الشرف وعلو المنزلة والقرب من اللّه بالمنزلة التي قد علمتها ، وعلى هذا فليست لا زائدة وإليه مال البيضاوي ، وقيل زائدة بدليل ما في سورة ( ص ) ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ [ ص : 75 ] . قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مستأنفة كالتي قبلها ، أي لا ينبغي لي ولا يصح مني ولا يليق بحالي ؛ فاللام لتأكيد النفي جعل العلة لترك سجوده كون آدم بشرا مخلوقا مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ زعما منه أنه مخلوق من عنصر نار ، وهي أشرف من عنصر آدم عليه السلام وهو الطين المتغير المنتن لأنها نيرة والطين كثيف مظلم . وفيه إشارة اجمالية إلى كونه خيرا منه وقد صرح بذلك في موضع آخر فقال : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ الأعراف : 12 ] وقال في موضع آخر : أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً [ الإسراء : 61 ] ولم يدر الخبيث أن الفضل فيما فضله اللّه تعالى ، قال الكرخي : وحاصل كلامه أن كونه بشرا يشعر بكونه جسما كثيفا وهو كان روحانيا لطيفا فكأنه يقول البشر الجسماني الكثيف أدون حالا من الروحاني اللطيف فكيف يسجد الأعلى للأدنى . وأيضا فآدم مخلوق من صلصال تولد من حمأ مسنون ، وهذا الأصل في غاية الدناءة وأصل إبليس هي النار وهي أشرف العناصر ، فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدون ، فهذا مجموع شبه إبليس فأجاب اللّه سبحانه عليه بقوله : قالَ فَاخْرُجْ مِنْها أي فحيث عصيت وتكبرت فأخرج منها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ والضمير في منها قيل عائد إلى الجنة ، وقيل إلى السماء ، وقيل إلى زمرة الملائكة ، والرجيم المرجوم بالشهب ، وقيل معناه ملعون أي مطرود ، لأن من يطرد يرجم بالحجارة . وفي القاموس الرجم اللعن والشتم والطرد والهجران ؛ وفي المصباح الرجم بفتحتين الحجارة والرجم القبر سمي بذلك لما يجتمع عليه من الأحجار ورجمته رجما من باب قتل ضربته بالرجم . وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ أي الطرد والابعاد من رحمة اللّه سبحانه مستمرا عليك لازما لك إِلى يَوْمِ الدِّينِ وهو يوم القيامة والجزاء ، وقيل هو ملعون في السماوات والأرض وجعل يوم الدين غاية للعنة لا يستلزم انقطاعها في ذلك الوقت لأن المراد دوامها من غير انقطاع وذكر يوم الدين للمبالغة كما في قوله تعالى : ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [ هود : 107 ] أو إن المراد أنه في يوم الدين وما بعده يعذب بما هو أشد من اللعن من أنواع العذاب بما ينسى اللعن معه فكأنه لا يجد له ما كان يجده قبل أن يمسه العذاب .