صديق الحسيني القنوجي البخاري
570
فتح البيان في مقاصد القرآن
ثم ذكر سبحانه أن عادة أمثال هؤلاء الكفار مع أنبيائهم كذلك تسلية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رسلا كائنة مِنْ قَبْلِكَ وحذف المفعول لدلالة الإرسال عليه فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ أي في أممهم وأتباعهم وسائر فرقهم وطوائفهم . قال الفراء : الشيع الأمة التابعة بعضهم بعضا فيما يجمعون عليه ، وأصله من شاعه إذا تبعه ، وهم القوم المجتمعة المتفقة كلمتهم ، وشيعة الرجل أتباعه ، وقيل الشيعة من يتقوى بهم الإنسان . وفي المصباح : الشيعة الأتباع والأنصار وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة ، ثم صارت الشيعة اسما لجماعة مخصوصة والجمع شيع والأشياع جمع الجمع واضافته إلى الأولين من إضافة الصفة إلى الموصوف عند بعض النحاة أو من حذف المضاف إليه عند آخرين منهم ، أي في شيع الأمم الأولين ، وفي البيضاوي من قبيل إضافة الموصوف لصفته كقوله حق اليقين . وَما كان يَأْتِيهِمْ أي الشيعة مِنْ رَسُولٍ من الرسل إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ كما يفعله هؤلاء الكفار مع محمد صلى اللّه عليه وسلم . كَذلِكَ أي مثل ذلك الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين برسلهم نَسْلُكُهُ أي الذكر فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ فالإشارة إلى ما دل عليه الكلام السابق من القاء الوحي مقرونا بالاستهزاء ، والسلك ادخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط قاله الزجاج ، والسلوك النفاذ في الطريق ، قال والمعنى كما فعل بالمجرمين الذين استهزؤوا نسلك الضلال في قلوب المجرمين ، وقال ابن عباس الشرك نسلكه في قلوب المشركين . وعن قتادة مثله . وفيه رد على القدرية والمعتزلة وهي أبين في ثبوت القدر لمن أذعن للحق ولم يعاند ، قال الواحدي : أضاف اللّه سبحانه إلى نفسه ادخال الكفر في قلوب الكفار وحسن ذلك منه ، فمن آمن بالقرآن فليستحسنه . وقال الرازي : احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى يخلق الباطل والضلال في قلوب الكفار . لا يُؤْمِنُونَ بِهِ أي بالذكر الذي أنزلناه أو بمحمد صلى اللّه عليه وسلم حال من ضمير نسلكه أو مستأنفة لبيان ما قبلها ، وقيل إن الضمير في نسلكه للاستهزاء وفي به للذكر وهو بعيد ،