صديق الحسيني القنوجي البخاري

571

فتح البيان في مقاصد القرآن

والأولى أن الضميرين للذكر وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أي مضت طريقتهم التي سنها اللّه في اهلاكهم حيث فعلوا ما فعلوا من التكذيب والاستهزاء . وقال قتادة : مضت وقائع اللّه فيمن خلا من الأمم فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب ، وقال الزجاج : قد مضت سنة اللّه فيهم بأن سلك الكفر والضلال في قلوبهم . ثم حكى اللّه سبحانه اصرارهم على الكفر وتصميمهم على التكذيب والاستهزاء فقال : وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أي على هؤلاء المعاندين لمحمد صلى اللّه عليه وسلم المكذبين له المستهزئين به باباً مِنَ السَّماءِ من أبوابها المعهودة ومكناهم من الصعود إليه فَظَلُّوا فِيهِ أي في ذلك الباب ، يقال ظل فلان يفعل كذا إذا فعله بالنهار . يَعْرُجُونَ يصعدون بآلة أو بغير آلة حتى يشاهدوا ما في السماء من عجائب الملكوت التي لا يجحدها جاحد ولا يعاند عند مشاهدتها معاند ، وقيل الضمير في فظلوا للملائكة ، أي فظل الملائكة يعرجون في ذلك الباب والكفار يشاهدونهم وينظرون صعودهم من ذلك الباب . قاله ابن عباس . لَقالُوا أي الكفار لفرط عنادهم وزيادة عتوهم إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا قرىء مشددا ومخففا وهم سبعيتان وهو من سكر الشراب أو من السكر وهو سدها عن الاحساس ، قاله مجاهد ، يقال سكر النهر إذا سده وحبسه عن الجري . وعن قتادة نحوه . قال أبو عمرو بن العلاء : سكرت غشيت وغطت ، وبه قال أبو عبيد وأبو عبيدة . وروي عنه أيضا أنه من سكر الشراب أي غشيهم ما غطى أبصارهم كما غشى السكران ما غطى عقله ، وعلى التخفيف بمعنى سحرت ، وقيل أصله من السكور يقال سكرت عينه إذا تحيرت وسكنت عن النظر ، قال النحاس : وهذه الأقوال متقاربة والتشديد لأجل التكثير والمبالغة ، قال ابن عباس قريش تقوله . بَلْ نَحْنُ أضربوا عن قولهم سكرت أبصارنا ، ثم ادعوا أنهم قَوْمٌ مَسْحُورُونَ أي سحرهم محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وفي هذا بيان لعنادهم العظيم الذي لا يقلعهم عنه شيء من الأشياء كائنا ما كان ، فإنهم إذا رأوا آية توجب عليهم الايمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله نسبوا إلى أبصارهم أن ادراكها غير حقيقي لعارض السكر أو أن عقولهم قد سحرت فصار ادراكهم غير صحيح ، ومن بلغ في التعنت إلى هذا الحد فلا تنفع فيه موعظة ولا يهتدي بآية . وفي كلمتي الحصر والاضراب دلالة على البت بأن ما يرونه لا حقيقة له ، بل هو باطل خيل إليهم بنوع من السحر . ولما ذكر سبحانه كفر الكافرين وعجزهم وعجز أصنامهم ذكر قدرته الباهرة وخلقه البديع ليستدل بذلك على وحدانيته فقال :