صديق الحسيني القنوجي البخاري
562
فتح البيان في مقاصد القرآن
يقول « يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة نقي » « 1 » وفيهما أيضا عن حديث أبي سعيد قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده » « 2 » الحديث . وقد أطال القرطبي في بيان ذلك في تفسيره وفي تذكرته ، وحاصله إن هذه الأحاديث نص في أن الأرض والسماوات تبدل وتزال ويخلب اللّه أرضا أخرى تكون عليها الناس بعد كونهم على الجسر ، وهو الصراط لا كما قال كثير من الناس إن تبديل الأرض عبارة عن تغيير صفاتها وتسوية آكامها ونسف جبالها ومد أرضها . ثم قال وذكر شبيب بن إبراهيم في كتاب الإفصاح أنه لا تعارض بين هذه الآثار ، وأنهما تبدلان كرتين : إحداهما هذه الأولى قبل نفخة الصعق ، والثانية إذا وقفوا في المحشر ، وهي أرض عفراء من فضة لم يسفك عليها دم حرام ولا جرى عليها ظلم ويقوم الناس على الصراط على متن جهنم ، ثم ذكر في موضع آخر من التذكرة ما يقتضي إن الخلائق وقت تبديل الأرض تكون في أيدي الملائكة رافعين لهم عنها . قال في الجمل : فتحصل من مجموع كلامه إن تبديل هذه الأرض بأرض أخرى من فضة يكون قبل الصراط وتكون الخلائق إذ ذاك مرفوعة في أيدي الملائكة وإن تبديل الأرض بأرض من خبز يكون بعد الصراط وتكون الخلائق إذ ذاك على الصراط ، وهذه الأرض خاصة بالمؤمنين عند دخولهم الجنة . وَبَرَزُوا أي العباد أو الظالمون كما يفيده السياق أي ظهروا من قبورهم ليستوفوا جزاء أعمالهم وهذه هي علة الخروج أو ظهر من أعمالهم ما كانوا يكتمونه ، والتعبير عن المستقبل بالماضي للتنبيه على تحقق وقوعه كما في قوله وَنُفِخَ فِي الصُّورِ [ الكهف : 99 ] لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ المنفرد بالألوهية الكثير القهر لمن عانده . وَتَرَى التعبير بالمضارع لاستحضار الصورة الْمُجْرِمِينَ أي المشركين يَوْمَئِذٍ أي يوم القيامة مُقَرَّنِينَ أي مشدودين فِي الْأَصْفادِ إما بجعل بعضهم مقرونا مع بعض ، قاله ابن قتيبة أي بحسب مشاركتهم في العقائد والأعمال كقوله وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [ التكوير : 7 ] أو قرنوا مع الشياطين كما في قوله نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [ الزخرف : 36 ] أو مع ما اكتسبوا من العقائد الزائغة والملكات الباطلة أو جعلت أيديهم مقرونة إلى أرجلهم ، قاله ابن زيد . والمقرن من جمع في القرن وهو الحبل الذي يربط به والأصفاد الأغلال والقيود
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 44 ، ومسلم في المنافقين حديث 38 ، . ( 2 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 44 ، ومسلم في المنافقين حديث 30 .