صديق الحسيني القنوجي البخاري

559

فتح البيان في مقاصد القرآن

العذاب ، وإنما اقتصر على ذكر إتيان العذاب فيه مع كونه يوم إتيان الثواب أيضا لأن المقام مقام تهديد ، وقيل المراد به يوم موتهم فإنه أول أوقات إتيان العذاب ، وقيل المراد يوم هلاكهم بالعذاب العاجل . فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا المراد بهم هنا هم الناس ، أي فيقولون ، والعدول إلى الإظهار مكان الإضمار للإشعار بأن الظلم هو العلة فيما نزل بهم . هذا إذا كان المراد بالناس هم الكفار ، وعلى تقدير كون المراد بهم من يعم المسلمين فالمعنى فيقول الذين ظلموا منهم وهم الكفار رَبَّنا أَخِّرْنا أي أملهنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ أي أمد من الزمان معلوم غير بعيد نُجِبْ دَعْوَتَكَ لعبادك على ألسن أنبيائك إلى توحيدك . وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ المرسلين منك إلينا فنعمل بما بلغوه إلينا من شرائعك ونتدارك ما فرط منا من الإهمال ، وإنما جمع الرسل لأن دعوتهم إلى التوحيد متفقة فاتباع واحد منهم اتباع لجميعهم ، وهذا منهم سؤال للرجوع إلى الدنيا لما ظهر لهم الحق في الآخرة وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [ الأنعام : 28 ] . ثم حكى اللّه سبحانه ما يجاب به عنهم عند أن يقولوا هذه المقالة فقال أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ أي فيقال لهم هذا القول توبيخا وتقريعا من قبل اللّه أو الملائكة والاستفهام تقريري . قال ابن عباس : من زوال عما أنتم فيه إلى ما تقولون ، وقال السدي : بعث بعد الموت ، أي ألم تكونوا أقسمتم من قبل هذا اليوم ما لكم من زوال من دار الدنيا ، وقيل إنه لا قسم منهم حقيقة وإنما كان لسان حالهم ذلك لاستغراقهم في الشهوات إخلادهم إلى الحياة الدنيا . وقيل قسمهم هذا هو ما حكاه اللّه عنهم في قوله وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ [ النحل : 38 ] وجواب القسم ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ وإنما جاء بلفظ الخطاب في ما لكم لمراعاة أقسمتم ، ولولا ذلك لقال ما لنا من زوال . وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أي استقررتم ، يقال سكن الدار وسكن فيها ، وهي بلاد ثمود ونحوهم من الكفار الذين ظلموا أنفسهم بالكفر باللّه والعصيان له . وقال الحسن : عملتم بمثل أعمالهم وَتَبَيَّنَ لَكُمْ بمشاهدة الآثار وتواتر الأخبار كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ من العقوبة والعذاب الشديد بما فعلوا من الذنوب وكيف منصوب بما بعده من الفعل ، وليس الجملة فاعلا لتبين كما قاله بعض الكوفيين بل فاعله ما دلت هي عليه دلالة واضحة ، أي فعلنا العجيب بهم ، وقيل فاعله مضمر لدلالة الكلام عليه ، أي حالهم وخبرهم وهلاكهم وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ في كتب اللّه