صديق الحسيني القنوجي البخاري
560
فتح البيان في مقاصد القرآن
وعلى ألسن رسله إيضاحا لكم وتقريرا وتكميلا للحجة عليكم وَقَدْ مَكَرُوا أي فعلنا بهم ما فعلنا ، والحال أنهم قد مكروا في رد الحق وإثبات الباطل . مَكْرَهُمْ العظيم الذي استفرغوا فيه وسعهم ، وقيل المراد كفار قريش الذين مكروا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين هموا بقتله ونفيه كما ذكر في سورة الأنفال والأول أولى . وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ أي علمه أو جزاؤه أو مكتوب مكرهم فهو مجازيهم أو عند اللّه مكرهم الذي يمكرهم به ، على أن يكون المكر مضافا إلى المفعول وقيل المراد ما وقع من النمرود حيث حاول الصعود إلى السماء فاتخذ لنفسه تابوتا وربط قوائمه بأربعة نسور ، وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه بأطول من هنا ، وروي نحو هذه القصة لبختنصر وللنمرود من طرق ذكرها في الدر المنثور ، واستبعدها بعض أهل العلم ، وقال إن الخطر فيه عظيم ، ولا يكاد عاقل أن يقدر على مثل هذا الأمر العظيم الذي ذكروه وليس فيه خبر صحيح يعتمد عليه ، ولا مناسبة لهذه القصة بتأويل الآية البتة . وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ وقرىء كاد موضع كان وقرىء لتزول بفتح اللام على أنها لام الابتداء ، وقرأ الجمهور بكسرها على أنها لام الجحود ، قال ابن جرير : والمختارة هي الأخيرة وإن هي الخفيفة من الثقيلة واللام هي الفارقة وزوال الجبال مثل لعظم مكرهم وشدته أي وإن الشأن كان مكرهم معدا لذلك . قال الزجاج : وإن كان مكرهم يبلغ في الكيد إلى إزالة الجبال ، فإن اللّه ينصر دينه ، وعلى قراءة الجمهور يحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون إن هي المخففة من الثقيلة والمعنى كما مر . والثاني : أن تكون نافية واللام المكسورة لتأكيد النفي كقوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [ البقرة : 143 ] والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات اللّه وشرائعه الثابتة على حالها مدى الدهور المشبهة بها في القرار والبقاء ، وقال ابن عباس : مكرهم شركهم والمراد بالجبال هنا قيل حقيقتها ، وقيل المراد بالمكر كفرهم ، ويناسبه تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا [ مريم : 90 ] . فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ المعنى مخلف رسله وعده ، قال القتيبي : هو من المقدم الذي يوضحه التأخير ، والمؤخر الذي يوضحه التقديم ، وسواء في ذلك مخلف وعده رسله ومخلف رسله وعده ، وقال الزمخشري : قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا كقوله إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ [ آل عمران : 9 ] ثم قال رُسُلَهُ ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحدا وليس من شأنه إخلاف المواعيد فكيف