صديق الحسيني القنوجي البخاري
558
فتح البيان في مقاصد القرآن
قال أبو عبيدة : قد يكون الوجهان جميعا ، يعني الإسراع مع إدامة النظر ، وقيل المهطع الذي لا يرفع رأسه وقال ثعلب : المهطع الذي ينظر في ذل وخضوع وقيل هو الساكت ، قال النحاس : والمعروف في اللغة أهطع إذا أسرع ، وبه قال أبو عبيدة ، قال ابن عباس : يعني بالإهطاع النظر من غير أن يطرف . مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ إقناع الرأس رفعه ، وأقنع صوته إذا رفعه ، وقال ابن عباس : الاقناع رفع الرأس ، والمعنى أنهم يومئذ رافعون رؤوسهم إلى السماء ينظرون إليها نظر فزع وذل ولا ينظر بعضهم إلى بعض ، وقيل إن إقناع الرأس نكسة ، وقيل يقال أقنع إذا رفع رأسه وأقنع رأسه إذا طأطأه ذلة وخضوعا ، والآية محتملة للوجهين ، قال المبرد : والقول الأول أعرف في اللغة . لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ أي لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة الخوف ، وأصل الطرف تحريك الأجفان ، وسميت العين طرفا لأنه يكون لها ، وقال ابن عباس : يعني شاخصة أبصارهم قد شغلهم ما بين أيديهم وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ الهواء في اللغة الجوف الخالي الذي لم تشغله الإجرام ، والمعنى أن قلوبهم خالية عن العقل والفهم لما شاهدوا من الفزع والحيرة والدهش وجعلها نفس الهواء مبالغة ومنه قيل للأحمق والجبان قلبه هواء أي لا رأي فيه ولا قوة . وقيل معنى الآية أنها خرجت قلوبهم عن مواضعها فصارت في الحناجر لا تخرج من أفواههم ولا تعود إلى أماكنها ، وقيل هواء بمعنى مترددة تهوي في أجوافهم ليس لها مكان تستقر فيه ، وقيل المعنى إن أفئدة الكفار في الدنيا خالية عن الخير . قال ابن عباس : ليس فيها شيء من الخير فهي كالخربة ، قال قتادة : ليس فيها شيء خرجت من صدورهم فنشبت في حلوقهم ، وعن مرة قال : منخرقة لا تعي شيئا ، وقيل المعنى وأفئدتهم ذات هواء . وما يقرب معنى هذه الآية قوله تعالى : وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً [ القصص : 10 ] أي خاليا من كل شيء إلا من همّ موسى عليه السلام ، والحاصل أن القلوب يومئذ زائلة عن أماكنها والأبصار شاخصة والرؤوس مرفوعة إلى السماء من هول ذلك اليوم وشدته . وَأَنْذِرِ النَّاسَ هذا رجوع إلى خطاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمره اللّه سبحانه بأن ينذرهم ، والمراد الناس على العموم ، وقيل المراد كفار مكة وقيل الكفار على العموم والأول أولى لأن الانذار كما يكون للكفار يكون أيضا للمسلم ، ومنه قوله تعالى : إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [ يس : 11 ] . يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ أي يوم القيامة ، قاله مجاهد ، أي خوفهم يوم إتيان