صديق الحسيني القنوجي البخاري
557
فتح البيان في مقاصد القرآن
عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ خطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم وهو تعريض لأمته فكأنه قال ولا تحسب أمتك يا محمد ، ويجوز أن يكون خطابا لكل من يصلح له من المكلفين وإن كان الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم من غير تعريض لأمته ، فمعناه التثبيت على ما كان عليه من عدم الحسبان كقوله وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ الأنعام : 14 ] ونحوه ، وقيل المراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون ، ولكن معاملة الرقيب عليهم ؛ أو يكون المراد بالنهي عن الحسبان الإيذان بأنه عالم بذلك لا تخفى عليه منه خافية . قال ميمون بن مهران في الآية : هي تعزية للمظلوم ووعيد للظالم ، وعن سفيان بن عيينة نحوه ، والغفلة معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقائق الأمور ، وقيل حقيقة الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ ؛ وفيه تسلية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وإعلام للمشركين بأن تأخير العذاب عنهم ليس للرضا بأفعالهم بل سنة اللّه سبحانه في إمهال العصاة . إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ أي يؤخر جزاءهم وعذابهم ولا يؤاخذهم بظلمهم ، وهذه الجملة استئناف وقع تعليلا للنهي السابق لِيَوْمٍ أي لأجل يوم فاللام للعلة وقيل بمعنى إلى التي للغاية تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ أي أبصارهم فلا تقر في أماكنها ، قال الفراء : المعنى ترفع فيه أبصار أهل الموقف ولا تغمض من هول ما تراه في ذلك اليوم . شخوص البصر حدة النظر وعدم استقراره في مكانه ، يقال شخص سمعه وبصره وأشخصهما صاحبهما وشخص بصره أي لم يطرف جفنه ، ويقال شخص من بلده أي بعد ، والشخص سواد الإنسان المرئي من بعيد ، والمراد أن الأبصار بقيت مفتوحة لا تتحرك من شدة الحيرة والدهشة . قال قتادة : شخصت فيه واللّه أبصارهم فلا ترتد إليهم ، قيل أل للعهد وقيل لو حمل على العموم كان أبلغ في التهويل وأسلم من التكرير . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 43 إلى 47 ] مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ( 43 ) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ ( 44 ) وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ ( 45 ) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ( 46 ) فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ ( 47 ) مُهْطِعِينَ أي مسرعين قاله قتادة وزاد في الجمل إلى الداعي وهو إسرافيل وقيل هو جبريل والنافخ إسرافيل . قال الشهاب : وهو الأصح كما دلت عليه الآثار وقيل المهطع الذي يديم النظر . قاله مجاهد .