صديق الحسيني القنوجي البخاري
553
فتح البيان في مقاصد القرآن
جمادات لا تعقل لأنها سبب لضلالهم فكأنها أضلتهم ، وهذه الجملة تعليل لدعائه لربه وإعادة النداء لتأكيد النداء وكثرة الابتهال والتضرع وهذا التركيب مجاز كقولهم فتنتهم الدنيا وغرّتهم وإنما فتنوا بها واغتروا بسببها . ثم قال : فَمَنْ تَبِعَنِي أي من تبع ديني من الناس فصار مسلما موحدا فَإِنَّهُ مِنِّي أي من أهل ديني جعل أهل ملته كنفسه مبالغة . وَمَنْ عَصانِي فلم يتابعني ولم يدخل في ملتي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قادر على أن تغفر له قيل قال هذا قبل أن يعلم أن اللّه لا يغفر أن يشرك به كما وقع منه الاستغفار لأبيه وهو مشرك قاله ابن الأنباري ، قيل المراد عصيانه هنا فيما دون الشرك قاله مقاتل ، وقيل إن هذه المغفرة مقيدة بالتوبة من الشرك ، قاله السدي ، وقيل تغفر له بأن تنقله من الكفر إلى الإيمان والإسلام وتهديه إلى الصواب والأول أولى . ثم قال رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي قال الفراء : من للتبعيض أي بعض ذريتي ، وقال ابن الأنباري : إنها زائدة أي أسكنت ذريتي والأول أولى لأنه إنما أسكن إسماعيل وهو بعض ولده وأمه هاجر بِوادٍ هو المنخفض بين الجبلين غَيْرِ ذِي زَرْعٍ أي لا زرع فيه قط وهو وادي مكة أو لا يصلح للإنبات لأنه أرض حجرية لا تنبت شيئا نفى أن يكون إسكانهم لأجل الزراعة عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ أي الذي كان قبل الطوفان ، وأما وقت دعائه فلم يكن ، وإنما كان تلا من الرمل ، وأما البيت فقد رفع إلى السماء من حين الطوفان ولو جعل التجوز باعتبار ما يؤول لكان صحيحا أيضا يعني أنه سيعمره أو بيتك الذي جرى في سابق علمك أنه سيحدث في هذا المكان . وسمي محرما لأن اللّه حرّم التعرض له والتهاون به وجعل ما حوله حرما لمكانه أو لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقا لأنه أعتق منه ، وقيل إنه محرّم على الجبابرة ، وقد تقدم في سورة المائدة ما يغني عن الإعادة . أخرج الواقدي وابن عساكر من طريق عامر بن سعد عن أبيه قال كانت سارة تحت إبراهيم فمكثت تحته دهرا لا ترزق منه ولدا فلما رأت ذلك وهبت له هاجر ، أمة لها قبطية فولدت له إسماعيل فغارت من ذلك سارة ووجدت في نفسها وعتبت على هاجر فحلفت أن يقطع منها ثلاثة أطراف فقال لها إبراهيم : هل لك أن تبري يمينك قالت : كيف اصنع قال : اثقبي أذنيها واخفضيها والخفض هو الختان ، ففعلت ذلك بها فوضعت هاجر في اذنيها قرطين فازدادت بهما حسنا فقالت سارة : أراني إنما زدتها جمالا فلم تضارّه على كونه معها ووجد بها إبراهيم وجدا شديدا فنقلها إلى مكة فكان يزورها في كل يوم من الشام على البراق من شغفه بها وقلة صبره عنها . ثم قال رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ اللام لام كي أي ما أسكنتهم بهذا الوادي الخالي من