صديق الحسيني القنوجي البخاري
554
فتح البيان في مقاصد القرآن
كل مرتفق ومرتزق إلا لإقامة الصلاة فيه متوجهين إليه متبركين به ، وخصها دون سائر العبادات لمزيد فضلها ، ولعل تكرير النداء وتوسيطه لإظهار العناية الكاملة بهذه العبادة وللإشعار بأنها المقصودة بالذات من إسكانهم ثمّ والمقصود من الدعاء توفيقهم لها ، وقيل اللام لام الأمر والمراد الدعاء لهم بإقامة الصلاة كأنه طلب منهم الإقامة وسأل من اللّه أن يوفقهم لها أثبت أن الإقامة عنده للعبادة وقد نفى كونها للكسب فجاء الحصر . فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً الأفئدة جمع فؤاد وهو القلب عبر به عن جميع البدن لأنه أشرف عضو فيه ، وقيل هو جمع وفد والأصل أوفده فكأنه قال واجعل وفودا مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ من للتبعيض ، وقيل زائدة ولا يلزم منه أن يحج اليهود والنصارى لدخولهم تحت لفظ الناس ، لأن المطلوب توجيه قلوب الناس إليهم للسكون معهم والجلب إليهم لا توجيهها إلى الحج ، ولو كان هذا مرادا لقال تهوي إليه ، وقيل من للابتداء كقوله القلب مني سقيم تريد قلبي ، ومعنى تهوي إليهم تنزع إليهم ؛ وقيل تسرع وتميل وتحن إليهم لزيارة بيتك لا لذواتهم وأعيانهم . وفي هذا بيان أن حنين الناس إليهم إنما هو لطلب حج البيت لا لأعيانهم ، يقال هوى نحوه إذا مال وهوت الناقة تهوي هويا فهي هاوية إذا عدت عدوا شديدا كأنها تهوي في بئر ، ويحتمل أن يكون المعنى تجيء إليهم أو تسرع إليهم وقيل تحن وتطير وتشتاق إليهم ، وأصله أن يتعدى باللام وإنما تعدى بإلى لأنه ضمن معنى تميل . قال السدي : أي أمل قلوبهم إلى هذا الموضع ، وقيل تريدهم ، قاله الفراء وقيل تنحط إليهم وتنحدر وتنزل ، وهذا قول أهل اللغة والمعاني متقاربة ، قال ابن عباس : لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والترك والروم والهند ، ولحج اليهود والنصارى والناس كلهم ، ولكنه قال أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ فخص به المؤمنين أخرجه البيهقي بسند حسن وفيه دعاء للمؤمنين بأن يرزقهم حج البيت ودعاء لسكان مكة من ذريته بأنهم ينتفعون بمن يأتي إليهم من الناس لزيارة البيت فقد جمع إبراهيم في هذا الدعاء من أمر الدين والدنيا ما ظهر بيانه وعمت بركته . وَارْزُقْهُمْ أي ذريتي الذين أسكنتهم هنالك أو إياهم ومن يساكنهم من الناس مِنْ أنواع الثَّمَراتِ التي تنبت فيه كما رزقت سكان القرى ذوات الماء والزرع فيكون المراد عمارة قرى بقرب مكة لتحصل تلك الثمار أو المراد جلب الثمرات إلى مكة بطريق النقل والتجارة لقوله تعالى يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ [ القصص : 57 ] وهذا أولى لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ نعمتك التي أنعمت بها عليهم . قال محمد بن مسلم : إن إبراهيم لما دعا للمحرم نقل اللّه الطائف من فلسطين ، وعن الزهري قال : إن اللّه نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف لدعوة إبراهيم ،