صديق الحسيني القنوجي البخاري

549

فتح البيان في مقاصد القرآن

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أي أبدعهما واخترعهما على غير مثال سبق وخلق ما فيهما من الأجرام العلوية والسفلية ، وإنما بدأ بذكر خلقهما لأنهما أعظم المخلوقات الشاهدة الدالة على وجود الصانع الخالق القادر المختار ، ذكر لهذا الموصول سبع صلات تشتمل على عشرة أدلة : على وحدانية اللّه تعالى وعلمه وقدرته . وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً المراد بالسماء هنا جهة العلو فإنه يدخل في ذلك الفلك عند من قال إن ابتداء المطر منه ، ويدخل فيه السحاب عند من قال إن ابتداء المطر منها ، ويدخل فيه الأسباب التي تثير السحاب كالرياح ، قيل إن المطر ينزل من السماء إلى السحاب ومن السحاب إلى الريح ، ومن الريح إلى الأرض ، وتنكير الماء هنا للنوعية أي نوعا من أنواع الماء وهو ماء المطر . فَأَخْرَجَ بِهِ أي بذلك الماء مِنَ الثَّمَراتِ المتنوعة رِزْقاً لَكُمْ أي لبني آدم يعيشون به ، ومن للبيان كقولك أنفقت من الدراهم وقيل للتبعيض لأن الثمرات منها ما هو رزق لبني آدم ومنها ما هو ليس برزق لهم وهو ما لا يأكلونه ولا ينتفعون به ، والثمر اسم يقع على ما يحصل من الشجر وقد يقع على الزرع أيضا كقوله تعالى كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ [ الأنعام : 141 ] وقيل المراد به ما يشمل المطعوم والملبوس . وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ أي السفن الجارية على الماء فجرت على إرادتكم لأجل الانتفاع بها في جلب ذلك الرزق الذي هو الثمرات وغيرها من بلد إلى بلد آخر ، فاستعملتموها في مصالحكم ، ولذا قال لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ كما تريدون على ما تطلبون بالركوب والحمل ونحو ذلك بِأَمْرِهِ أي بأمر اللّه ومشيئته وإذنه ، وقد تقدم تفسير هذا في البقرة . وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ بكل فائدة قاله مجاهد : أي ذللها لكم بالركوب عليها والإجراء لها إلى حيث تريدون ، وهو من أعظم نعم اللّه على عباده . وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لتنتفعوا بهما وتستضيئوا بضوئهما دائِبَيْنِ الدؤوب مرور الشيء في العمل على عادة جارية ، والدأب العادة المستمرة دائما على حالة واحدة ، ودأب في السير دوام عليه ، ودأب في عمله جدّ وتعب ، وبابه قطع وخضع فهو دائب بالألف لا غير ، والدائبان الليل والنهار ، والدأب بسكون الهمزة العادة والشأن ، وقد يحرك . ومعنى دائبين يجريان دائما في إصلاح ما يصلحانه من النبات والحيوان وإزالة الظلمة لأن الشمس سلطان النهار ، وبها يعرف فصول السنة ، والقمر سلطان الليل وبه يعرف انقضاء الشهور ، وكل ذلك بتسخير اللّه عزّ وجلّ وأنعامه على عباده ، وقيل دائبين في السير امتثالا لأمر اللّه .